الصفحة 143 من 227

ومن ذلك أيضًا، قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [المؤمن 28] .

فقد جاءت الآية دالّة على الافتراض [1] ، وورد على طريقة السبر والتقسيم، وفي هذا اللون من الافتراضات فإنّ حال المفروض له لا يخلو من أحد الأحوال التي وضِعت الاحتمالات لها، فهو (إنْ) يك كاذبًا فعليه كذبه)، أو (إنْ يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم) ، فهو لا يعدو أحد هذين الحالين. وجاء التعبير الافتراضيّ بأسلوب فيه من الملاطفة وحسن الأدب وكمال الإنصاف، وبيانه من أوجه: (( أمّا أوّلًا: فلأنّه صدّر الكلام بكونه كاذبًا على جهة التقدير ملاطفةً واستنزالًا للخصم عن نخوة المكابرة ودعاءً له إلى الإذعان والانقياد للحق وقدّمه على كونه صادقًا دلالةً على ذلك. وأمّا ثانيًا: فلأنّه فرض صدقه على جهة التقدير مع كونه مقطوعًا بصدقه؛ تقريبًا للخصم وتسليمًا لما يدّعيه من ذلك وهضمًا لجانب الرسول زيادةً في الإنصاف ومبالغةً فيه. وأمّا ثالثًا: فإنّه أردفه بقوله(يصبكم بعض الذي يعدكم) وإنْ كان التحقيق أنّه يصبهم كلّ ما يعدهم به لا محالة من أجل الملاطفة أيضًا. وأمّا رابعًا: فإنّه أتى بـ (إنْ) للشرط وهي موضوعة للأمور المشكوك فيها ليدلّ بذلك على أنّه غير مقطوع بما يقوله على جهة الفرض. وأمّا خامسًا: فقوله تعالى في آخر الآية (إنّ الله لا يهدي مَن هو مسرف كذّاب) إنّما أتى به على التلطّف والإنصاف مخافة أنْ يبعدوا عن الهداية ومحاذرة من نفارهم من طريق الصواب وإلاّ فلو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله إلى النبوّة ولما أعطاه إيّاها )) [2] .

(1) ينظر: الكشاف 4/ 158، والبحر المحيط 9/ 252، وفي ظلال القرآن 5/ 3079.

(2) من أساليب التعبير القرآني / 232 - 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت