الصفحة 203 من 227

للأعمال، وقضاءً ونارًا وألوانًا من العذاب، فيقيسون على ما سمعوه ــ على إنكار منهم له ــ على ما عهدوه من هذه الأمور في الدنيا فلمّا شاهدوها إذ ظهرت لهم وجدوها أعظم ممّا كان يخطر ببالهم من صفتها )) [1] .

وممّا ورد ذكره يمكن لنا القول إنّ الافتراض القرآنيّ قد اختلفت غاياته، وتعدّدت دلالاته، فكانت مرّةً جدليّة احتجاجيّة تأتي لإقناع الخصم أو إفحامه، وتأتي أخرى بلاغيّة تهدف لبيان غرض بلاغيّ، فتكون للمبالغة أو للتعريض أو للتهييج أو غيرها.

وتشمل الدلالات الجدليّة الاحتجاجيّة: إلجام الخصم بالحجّة، والاستدراج، والإنكار، والتكذيب، وتأتي هذه الدلالات بأدّلة برهانيّة لا تترك للخصم فيها مجالًا للجدل والمحاججة، فلا يحر جوابًا رادًّاعلى الافتراض، وهذا ما نجده مع دلالة إلجام الخصم بالحجّة. وتأتي الدلالة للتخفيف من طغيان الخصم المعاند وتطرّفه، وذلك بأنْ تفرض له فروضًا يقيس عليها، فيحدّد على أثرها موقفه، فيختار ما يراه صائبًا. وجاءت بعض الدلالات ردًّا على الخصم، إمّا بالإنكار مع التقريع، وإمّا مع التكذيب، فتكون هذه الافتراضات إمّا منكِرة على الخصوم مزاعمهم، مقرّعة لهم على الإتيان بها، أو أنْ تكون مكذّبة لهم فيما يدّعون، فتكون داحضة لمزاعمهم وبهتانهم.

أمّا الدلالات البلاغيّة، فمنها التهييج الذي يأتي فيه الخطاب غالبًا موجّهًا للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو وإنْ كان موجّهًا لشخص النبيّ فإنّ المعني به العامّة؛ كي لا يفتروا ولا تلين عزيمتهم. ومن الدلالات البلاغيّة، التعريض، الذي يكون ذا تعبير رمزيّ، أو يكون ذا مدلول، هو أشبه ما يكون بالكناية. وكانت بعض الافتراضات غايتها استهزائيّة، وتهكّميّة وذلك بمسايرة المجادل في كلامه، وإظهار الاقتناع بما يقول، وهو لا يريد ذلك يقينًا. وجاءت بعض الافتراضات مُهوّلةً للأحداث، مثيرةً لفزع المخاطب، وبخاصّةً ما تناول منها يوم القيامة، وما ينتظر الكافر من عذاب، وغياب الشفيع، والناصر، والمَلجأ، والمهرب من ذلك العذاب. وجاءت بعض الافتراضات، مُوبّخةً للمخاطب الكافر أو المنافق على إصراره على الكفر أو النفاق، أو تكون مُتوعّدةً أو مُنبّهةً على الضلال. وجاءت بعض الافتراضات، لتعطي الدلالة التي تحمل

(1) الميزان 17/ 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت