الصفحة 75 من 227

مع إحاطة علمه بأنّه لا يكون كما قال: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الانعام 88] . قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد )) [1] .

وقد ورد التعبير الافتراضيّ في الآية الكريمة مصدّرًا بأداة الشرط (مَنْ) الدالّة على العاقل في الأغلب، حيث عدل عن (إنْ) الشرطيّة إلى (مَنْ) (( للدلالة على العموم مع الإيجاز. وأدخل اسم الإشارة في جواب الشرط لتحقيق التعليق بنسبته الشرط لأداته للدلالة على جدارة مضمون الجزاء بمن ثبت له مضمون الشرط، وفي هذا إبطال لدعوى عامّة النصارى إلهيّة عيسى - عليه السلام -،وأنّهم يقولون عليه ما لم يقله ) ) [2] . والظاهر من الآية أنّ التعبير بـ (مَنْ) فيه تعريض بمن ادّعى الربوبيّة من دون الله تعالى، أمثال النمرود وفرعون. كما أنّ في الإتيان باسم الإشارة الدالّ على البعد (ذلك) إيحاء ببعده عن رحمة الله تعالى. أمّا التعبير في قوله تعالى (كذلك نجزي الظالمين) ، فالتشبيه الوارد فيه (( مؤكّد لمضمون ما قبله أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ويتعدّون أطوارهم، والقصر المستفاد من التقديم معتبَر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة، أي لا جزاء أنقص منه ) ) [3] .

ونحو ذلك من الافتراض المباشر المصدّر بـ (مَنْ) الشرطيّة، قوله تعالى: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب 30] .

فتعبير الآية الكريمة قد خاطب نساء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خاصّة، من دون غيرهنّ من النساء، إذ جعل الحدّ الشرعيّ الذي وضعه الله تعالى لمَن ترتكب الفاحشة منهنّ مضاعفة العذاب لهنّ ضعفين عمّا لو كانت الفاعلة للفاحشة إحدى نساء المسلمين، لأنّ بيت النبوّة هو القدوة والمثال الذي ينظر إليه أبناء المجتمع المسلم، فمضاعفة العقوبة كانت (( مبالغة في التحذير إذ جعل عذاب المعصية على فرض أنْ تأتيها إحداهنّ عذابًا مضاعفاّ ) ) [4] .

(1) الكشّاف 3/ 110،وينظر: إرشاد العقل السليم 6/ 64، وتفسير شبّر /324،وروح المعاني 17/ 45.

(2) التحريروالتنوير 17/ 39.

(3) إرشاد العقل السليم 6/ 64.

(4) التحرير والتنوير 21/ 236، وينظر: في ظلال القرآن 5/ 2857.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت