الأوّل والثاني قد تحقّقا فعلًا، عند حصار بني النضير [1] ،ثُمّ إخراجهم من المدينة، أمّا الموقف الثالث ـــ وهو موقف النُصرة لهم في المعركة ـــ فلم يتحقّق من هؤلاء المنافقين، وهذه هي حالهم المعروفة عنهم عند الشدائد، فنجد التعبير هنا قد صوّر لنا حالهم فـ (( لو فُرض أنّهم أرادوا نصرهم فإنّ أمثالهم لايترقب منهم الثبات في الوغى، فلو أرادوا نصرهم وتجهّزوا معهم لفرّوا عند الكريهة ) ) [2] .
وممّا يلحظ في هذا التعبير الافتراضيّ أنّ الفعل الوارد بعد (لئنْ) الشرطيّة الدالّة على الافتراض قد جاء بزمن المضيّ لا الاستقبال الذي ينسجم مع معنى الشرط، وما ذلك إلاّ لجعل هذا الفعل المفترض بمنزلة الواقع والمتحقّق. وقوله (ليولّنّ الأدبار) الذي ورد جوابًا للشرط، فقد جاء مستقبلًا، والتولّي من (( ولاّه دبره إذا انهزم ) ) [3] . وقد أكّد هذا التولّي، بقوله (ثمّ لا يُنصرون) .
مَنْ:
اسم شرط جازم، يشترك في لفظه مع (مَنْ) الدالّة على الاستفهام والموصولة، ويفترق عنهما بجزم الفعلين بعده، وعدم عمل الاستفهاميّة والموصولة فيما بعدها [4] ،ومن أمثلة القرآن الكريم التي استعملت هذه الاداة للدلالة على الافتراض، قوله تعالى: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء 29] .
فتعبير الآية الكريمة قد افترض ما يكون حصوله مستحيلًا، وهو ادّعاء الملائكة للربوبيّة من دون الله تعالى. وقد جاء الافتراض مباشرًا عن طريق أداة الشرط (مَنْ) المردفة بفعل مضارع ممّا يجعل حدث القول غير متحقّق، إذ إنّ الواضح أنّ هذا الكلام جاء (( على سبيل الفرض والتمثيل
(1) ينظر: البحر المحيط 10/ 145،وروح المعاني 28/ 349،والتحرير والتنوير 28/ 90.
(2) التحرير والتنوير 28/ 90،وينظر: الكشّاف 4/ 494،و مجمع البيان 9/ 646، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 201،و البحر المحيط 10/ 145،و إرشاد العقل السليم 6/ 229ـــ230، وتفسير شبّر /547،وروح المعاني 28/ 349.
(3) مفردات ألفاظ القرآن /887 (ولي) .
(4) ينظر: كتاب سيبويه 3/ 56،69،ومغني الّلبيب 1/ 358ـــ361.