وضعه الله له، أي (( وإنْ قُدر أنْ تزولا عن مراكزهما ما أمسكهما احد ولا يقدر على إمساكهما أحد(من بعده) ... تعالى )) [1] .
وقد جاء التعبير مفترضًا الإزالة، ثُمّ أردف بتعبير على سبيل النفي المؤكّد، إذ أعطت (إنْ) معنى (لا) النافية، وأكّد النفي بـ (من) الزائدة إعرابيًّا المؤكّدة دلاليًّا. وقوله (زالتا) المسند إلى السماوات والأرض يعني: شارفتا على الزوال (( إذ نفس الزوال لا يجتمع معه الإمساك ) ) [2] . وعبّر عن عدم الإمساك بقوله (إنْ أمسكهما) أي: ما يمسك دلالةً على أنّ الفعل غير متحقّق، و (مِن) في قوله (من بعده) ابتدائيّة [3] ، ثمّ جاء التعبير بعد ذلك معلّلًا هذا التثبيت لمسارات الكون بقوله (إنّه كان حليمًا غفورًا) أي: إنّه تعالى (( غير معاجل بالعقوبة التي تستوجبها جنايتهم حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأنْ تهدّا هدًّا ) ) [4] .
ومن ذلك قوله عزّ وجلّ، في بيان حال المنافقين: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} [الحشر 12] .
فإذا كان الافتراض في العهد المكّيّ جاء في موقف الجدل مع المشركين المنكرين للوحدانيّة وليوم القيامة وللنبوّ ة، فقد جاء في العهد المدنيّ في مواضع كثيرة في مقام بيان حال المنافقين، وما يضمرونه للمسلمين من كراهية وحقد، وتربّص الدوائر التي تدور على المسلمين، لذا نجدهم في معظم المعارك أوّل من يعلن انهزامه من المعركة، بل لا يكتفون بذلك، فيُشيعون الفتنة والأخبار الكاذبة التي توهن صفوف المسلمين، ولا يكتفون عند هذا الحدّ، بل إنّهم يحاولون غواية أهل الكتاب من يهود المدينة على التكتّل والتجمّع لقتال المسلمين وطردهم من المدينة، وهم كما تبينهم الآية الكريمة وتصوّر نكثهم لوعودهم في ثلاثة مواقف مُتتالية، هي (لئنْ أخرجوا لايخرجون معهم) ، (ولئنْ قوتلوا لا ينصرونهم) ، (ولئن نصروهم ليولّنّ الأدبار) . وكان الموقفان
(1) مجمع البيان 8/ 368.
(2) الميزان 17/ 26،وينظر: روح المعاني 22/ 516.
(3) ينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 286.
(4) إرشاد العقل السليم 5/ 286،وينظر: روح المعاني 22/ 516ــــ517.