الصفحة 85 من 227

ج - الأمر:

هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام، وله أربع صيغ، هي: فعل الأمر، والفعل المضارع المقرون بلام الأمر، واسم فعل الأمر، والمصدر النائب عن فعل الأمر [1] . ويلحظ أنّ العلماء القدامى والمحدثين قد خرّجوا صيغة الأمر لأغراض مجازيّة يحدّدها السياق، منها: الإهانة، التعجيز، الاستهزاء. وهي غايات أكثر من كونها أسلوبًا. وقد ذكر الزركشيّ في باب (خطاب التعجيز) مجموعة من الآيات ذات الصيغة الأمريّة، منها قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة 23] ، وقوله تعالى: {فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ} [آل عمران 168] ، وقوله تعالى: {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء 50] . ونقل عن ابن عطية، أنّ التعجيز يكون حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب، وإنّما معنى الآية: كونوا بالتوهّم والتقدير كذا [2] . وممّا يلحظ في ذلك، أنّ بعض الآيات التي استشهد بها، عدّها جماعة من العلماء من باب الفرض، ثمّ أنّ هذه الآيات تحمل دلالة التعجيز، فهي كلّها ممّا لا يقدر عليه المخاطب، ولعلّ في قول ابن عطيّة (بالتوهم والتقدير) انسجامًا كبيرًا مع أسلوب الافتراض، في تصوّر الأمر وتخييله.

فقوله تعالى: {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء 50] ،جاء ردًّا على تعجّب الكفّار في أكثر من آية كريمة من الإعادة إلى الحيا ة بعد الموت، وجاء الجواب لهم في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس 78] ، وقوله تعالى: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [الصافّات 16] . وهذه الآية الكريمة جاءت في سياق يشبه هذا السياق، فالآية التي قبلها، قوله تعالى: {وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء 49] . فورد الجواب بهذه الآية الكريمة، وهو صيرورتهم حجارةً أو حديدًا، وهو أبعد ارتباطًا عن الأجساد من العظام والرفات، فالمراد (( أنّ أبدان الناس وإنْ انتهت بعد موتها إلى أيّ صفة فُرضت، وأيّ حالة قُدّرت، وإنْ كانت في غاية البعد عن

(1) ينظر: البلاغة والتطبيق / 123-124،وعلم المعاني: عبد العزيز عتيق /58ــ 60.

(2) ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت