الصفحة 84 من 227

ب- النهي:

هو طلب الكفّ عن الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام، وله صيغة واحدة، هي المضارع المقرون بـ (لا) الناهية [1] .

ومن أمثلته في القرآن دالًا على الافتراض، النهي الذي يُوجّه الخطاب فيه للنبيّ ّ - صلى الله عليه وسلم -،كقوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء 213] .

فقد جاء الخطاب القرآنيّ الموجّه للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في كثير من الآيات الكريمة بصيغة النهي، ولو أخذنا الكلام بظاهره لكان معنى الكلام أنّ النبيّ - عليه السلام -، يقوم بأفعال لا تصحّ منه، ولذا فالله تعالى ينهاه عن القيام بها. ولكنْ علمنا بأنّ النبيّ معصوم عن ارتكاب مثل هذه الأفعال، وبشهادة القرآن الكريم له: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3 - 4] . فهذا العلم يقودنا إلى معرفة أنّ الخطاب موجّه في ظاهره للنبيّ، وهو في الحقيقة موجّه للمسلمين (( وحين يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - متوعّدًا بالعذاب مع المعذّبين، لو دعا مع الله إلهًا آخر. وهذا محال ولكنّه فرض للتقريب. فكيف يكون غيره؟ وكيف ينجو من العذاب مَن يدعو هذه الدعوة من الآخرين؟! وليس هنالك محاباة، والعذاب لا يتخلف حتّى عن الرسول، لو ارتكب هذا الإثم العظيم ) ) [2] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ في الآية مُصدّرًا بالفاء الرابطة، أو هي جواب لشرط محذوف (( وكإنّ الفاء فصيحة أي إذا علمت ما ذكر فلا تدعُ مع الله إلهًا آخر ) ) [3] . ثُمّ جاء قوله (لا تدعُ) ، حيث (لا) الناهية عن عمل الفعل لمَن لا يتوقّع منه القيام به. وفي تقديم (مع الله) على المفعول (إلهًا) ، دلالة على الاهتمام وتخصيص الدعاء لله تعالى وحده. ولعلّ في قوله (إلهًا) ثُمّ وصفه بـ (آخر) دلالة التوكيد على عدم الإشراك. وجيء بالفاء الواقعة في جواب الطلب لبيان عاقبة مَن لا ينتهي عن هذا الأمر، وتبعها الفعل المضارع (تكون) الواقع في جواب الطلب، وفيه دلالة الاستقبال التي توحي بعدم التحقّق. ولعلّ في تعريف (المعذبين) دلالة على صنف بعينه يعرفه المخاطب.

(1) ينظر: البلاغة والتطبيق / 129، وعلم المعاني: عبدالعزيز عتيق / 65.

(2) في ظلال القرآن 5/ 2619.

(3) روح المعاني 19/ 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت