الصفحة 83 من 227

دام الخلق بيده. وفي تنكير (بنات) وتعريف (البنين) دلالة على التحقير والتفخيم [1] على الترتيب.

ونحو هذا من التعبير الافتراضيّ بـ (أم) المنقطعة، قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور 35] .

شكّلت مجموعة الآيات من الآية (30 ـــ43) من سورة الطور تشكيلًا يبدأ بالأداة (أم) المنقطعة التي تعطي معنى الإضراب مع الاستفهام، وكلّ آية (( إضراب انتقاليّ إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكار البعث ) ) [2] . والآية الكريمة تحمل في طيّاتها إضرابين مع استفهامين، وذلك بأنّ المحاججة معهم تستنطقهم، هل خُلقوا من عدم أم أنّهم أوجدوا أنفسهم بأنفسهم (( ووجودهم هكذا من غير شيءٍ أمر ينكره منطق الفطرة ابتداءً ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل، أمّا أنْ يكونوا هم الخالقين لأنفسهم فأمر لم يدّعوه ولا يدّعيه مخلوق. وإذا كان هذان الفرضان لا يقومان بحكم منطق الفطرة، فإنّه لا يبقى إلاّ الحقيقة التي يقولها القرآن الكريم. وهي أنّهم جميعًا من خلق الله الواحد الذي لا يُشاركه أحد في الخلق والإنشاء، فلا يجوز أنْ يشاركه أحد في الربوبيّة والعبادة ) ) [3] .

ويلحظ أنّ التعبير الافتراضيّ جاء مُصدّرًا بـ (أم) المنقطعة الدالّة على الاستفهام والإضراب، وجيء بالفعل (خُلقوا) مبنيًّا للمجهول، ولعلّ فيه دلالةً على عدم امتلاكهم لأمرهم، وجاء التعبير بقوله (شيء) النكرة ليعطي دلالةً عامّةً [4] ، إمّا للدلالة على الخالق المُقدّر أو للدلالة على العلّة والغاية أو الحيّ، فهم لا يؤمرون ولا ينهون كالجمادات، ثُمّ جاء الفرض الآخر (أم هم الخالقون) والتعبير فيه يخاطبهم مخاطبة الغائب، ولعلّ في ذلك تهكّمًا وتوبيخًا لهم.

(1) ينظر: روح المعاني 25/ 97، والميزان 17/ 212.

(2) التحرير والتنوير 27/ 78.

(3) في ظلال القرآن 6/ 3399ـــ3400.

(4) ينظر: روح المعاني 27/ 54 ـــ55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت