كُنتُمْ شُهَدَاء [البقرة 133] . ويرى أنّ (أم) في قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة 140] ، في موضع إستفهامٍ، وأنّها بمعنى: أتقولون؟ [1] .
أمّا ابن قتيبة [2] ، فيرى أنّ (أم) بمعنى الهمزة في قوله تعالى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطور 39] ، ويرى أنّ معناها: أله البنات؟، ومثله قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [الطور 40] .ويبدو أنّ رأي ابن قتيبة أقرب إلى المعنى، وإنْ كان قد اقتصر على الاستفهام فقط غير أنّنا نجد أنّ الاستفهام فيها غير حقيقيّ، بل هو إضراب على كلام متقدّم عليه. وما يؤيد ذلك أنّ بعض العلماء يرى أنّها تقدّر بـ (بل) والهمزة [3] .
ومن أمثلة (أم) في القرآن الكريم التي جاءت دالّة على الافتراض، قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} [الزخرف 16] .
فالتعبير قد استعمل (أم) المنقطعة في الآية، وتحمل استفهامًا وإضرابًا بسؤال هؤلاء الكفّار عن اختيار الله تعالى للبنات لنفسه، وخصّهم بالبنين مع علمه أنّ معاييرهم وأعرافهم تأنف من الأنثى، {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم 21 ـــ 22] . فالآية الكريمة ترخي العنان للمشركين وتسايرهم بادّعاء (( أنّ إضافة اتخاذ الولد جائزةً فرضًا وتمثيلًا، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادّعائكم أنّه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما، وترك له شرّهما وأدناهما ) ) [4] . وفي التعبير الافتراضيّ استعمل الفعل (اتّخذ) ، وقد أوثر هذا الفعل لأنّه يشمل الاتّخاذ بالولادة، أو بالتبنّي [5] ، ثُمّ قال تعالى (ممّا يخلق) فجيء بالفعل المضارع بدل الماضي (خلق) دلالةً على أنّ الخلق مستمرّ لله تعالى في الحال والاستقبال، وفيه إلزام الحجّة لهم بالقدرة على اتّخاذ الذكور مع الإناث، أو الذكور فقط ما
(1) ينظر: مجاز القرآن / 35.
(2) ينظر: تأويل مشكل القرآن 292.
(3) ينظر: البحر المحيط 9/ 574.
(4) الكشّاف 4/ 235 ــــ 236، وينظر: البحر المحيط 9/ 363، والتحرير والتنوير 25/ 225 ــــ 227.
(5) ينظر: التحرير والتنوير 25/ 225 ـــ227.