الصفحة 89 من 227

المحضة إلى إنعام الحواس بما تدركه دون جهدٍ عقليّ في تصوّر أمرٍ مفروض، أو معنًى ذهنيّ مُجرّد، لا يتحقّق مصداقه في الخارج إلا ّ بما هو حسيّ فيزول عندئذٍ الغموض والإبهام وتدرك بعدها حقائق الأشياء )) [1] . ولعلّ هذا التصوير الذهنيّ للموضوع أو القضيّة هو الذي وثّق الصلة بين المثل القرآنيّ وأسلوب الافتراض من حيث إنّ الافتراض يوجد أمرًا متصوّرًا ويبني عليه نتيجةً تكون أمرًا محتومًا لحصول الأوّل.

إنّ الناظر في المثل القرآنيّ يجده قد استعمل طريقتين [2] ، في ضرب الأمثلة: الأولى منهما، عقليّة بأنْ يخاطب المثلُ العقلَ الإنسانيّ، ويجعله الحكم على صدق القضيّة التي يتحدّث عنها المثل، فتكون هذه الطريقة احتجاجيّة. والأخرى منهما، مجازيّة تحمل دلالات بلاغيّة إمّا للمبالغة أو الكناية أو التشبيه.

المثل العقليّ:

إذا كان المثل وسيلة من وسائل الإقناع وإيصال الفكرة، فهو إذًا يستعمل أسلوبًا منطقيًّا استدلاليًا في التوصّل إلى البرهنة على صدق الفكرة وإبراز الحقيقة، لذا (( انتهج المثل القرآنيّ منهجًا عقليًا في الاستدلال بعدة مجالات تدور حول إبطال الباطل، وإبراز الحقّ، ودفع الشبهة، وإقامة الدليل، وإدلاء الحجّة ) ) [3] .

ولعلّ أهمّ قضيّة يدور حولها المثل القرآنيّ قضيّة وحدانيّة الله تعالى، وبطلان ما يعبد من دونه من آلهة، خاصّة الأصنام منها، لذا نجد المثل القرآنيّ يضرب لهم مثلًا على عجز هذه الأصنام وعدم قدرتها على فعل شيء حتّى تجاه مَن يقوم بعملٍ يقلّل من شأنها ومكانتها، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحجّ 73] ،

(1) الصورة الفنيّة في المثل القرآنيّ، محمد حسين علي الصغير / 170 ـــ 171.

(2) ينظر: المصدر نفسه / 170ـــ 171، و255 ـــ 260،و359 ـــ 362.

(3) المصدر نفسه / 359.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت