وارد على سبيل الافتراض [1] عن طريق المثل الذي ضُرب، فقد بيّن تعبير الآية (( أنّ هذه الأصنام التي ظللتم عليها عاكفين لا تخلق أبسط مخلوقات الله وأحقرها فيما وهب لها من التركيب والحياة، وهو الذباب، وأنّى لها هذا والآلهة المدّعاة لا تستطيع إنقاذ ما يسلبه الذباب منها. وماذا يسلب الذباب؟ يسلب الشيء التافه الحقير الذي لا يستعاد نظرًا لتضاؤله في الحجم والكيفيّة، ويسلب الشيء العظيم الخطير الذي لا يعوّض بالوقت نفسه ... وقد كان التحدّي في لغة الاحتجاج متناولًا الأصنام وعبدتها، وقد ثبت الوهن المشترك من الجانبين بالاستدلال المنطقيّ وبداهة البرهان ) ) [2] . إنّ هذا الافتراض لسلب الطعام وغيره من الذباب وعجز الأصنام عن استنقاذه أو عمل شيء لمنعه يعطي العقل البرهان الدافع والدليل القارع على ضلال هؤلاء الكفّار في عبادتهم (( فهذا البيان الموجز قد أغنى عن الدخول في تفصيلات تعدّد الآلهة عند البشر وبطلان ذلك بما استدلّ عليهم من عجزها وهوانها ) ) [3] .
وقد ورد التعبير الافتراضيّ في المثل مبدوءًا بقوله (يا أيّها الناس) المنبّهة لجميع البشر ليشمل الخطاب كلّ الطوائف المشركة بالله تعالى، دون استثناء، وفي الإتيان بالفعل (ضُرب) المبنيّ للمجهول للاهتمام بالحدث [4] ، ولعلّ في تنكير (مثل) تشويقًا للمخاطب وإثارة لانتباهه، ثُمّ جاء بالجملة الاسميّة المؤكدة بـ (إنّ) للمبالغة في التوكيد. وقوله (لن يخلقوا) بالنفي للمستقبل؛ تعجيزًا لهم على أنْ تفعل آلهتهم ذلك العمل، ثُمّ جاء بـ (ذبابًا) وهو اسم جنس، وقد جاء نكرةً للتحقير [5] . ثُمّ جاء الفرض بـ (لو اجتمعوا) ليشمل الفرض فيه الحال والاستقبال، أي: ولو يجتمعون. و جواب الشرط محذوف وقد دلّ عليه الكلام المتقدّم (لن يخلقوا ذبابًا) ويبدو أنّ في ذلك تقريعًا للكفّار وتحقيرًا لآلهتهم.
(1) ينظر: روح المعاني 17/ 260، والتحرير والتنوير 17/ 245،و الميزان 14/ 346.
(2) الصورة الفنّيّة في المثل القرآنيّ /361 ـــ 362.
(3) المصدر نفسه / 222.
(4) ينظر: التحرير والتنوير 17/ 243.
(5) ينظر: المصدر نفسه 17/ 246.