الصفحة 91 من 227

ويضرب الله تعالى مثلًا للكافرين بشخصين، فيفترض [1] أحدهما عبدًا مملوكًا والآخر حرًا طليقًا، واسع الرزق ينفقه على مَن يريد، ويكنّي بالأوّل عن آلهتهم العاجزة، وبالآخر عن الذات الإلهيّة القادرة المسيطرة، قال تعالى: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ... [النحل 75] . (( وهنا يتميّز التعبير الرمزيّ عن الأوثان والأصنام والتمثيل الحسيّ للعجز والقدرة والتطوير في خصائص الأسلوب الاحتجاجيّة ببداهة من التعبير والإقناع ) ) [2] .

إنّ في ضرب هذا المثل تجسيدًا واقعيًّا من محيط المجتمع المشرك للعجز الدائم لأصنامهم والقدرة الواسعة للإله الحقّ (( إنّه أطرف وأدقّ مثل في تصوير ضعف الشركاء، ومهانة الآلهة المدّعاة وعجز الأصنام تنطق بذلك كلّه تلك الصورة القرآنيّة التي مثّلت الضعف في أبين صورة وجسّمت المهانة تجسيمًا صادقًا واقعيًّا، وأبرزت عجز هؤلاء الذين ادّعى المشركون أنّهم آلهة قادرون يمنحون ويمنعون ) ) [3] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ للمثل مبدوءًا بالجملة الفعليّة ... (ضرب الله) للتوكيد على أنّ ضرب الأمثلة تكون من العليم الحكيم، وورد قوله (مثلًا) نكرةً مبهمًا وفي (( إبهام المثل أولًا ثُمّ بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الفخامة والجزالة ) ) [4] . وجاءوصف العبد بالمملوك في قوله (عبدًا مملوكًا) ؛ توكيدًا على أنّه عبد للبشر، لا عبدًا من عبيد الله [5] ، ثُمّ وصف حاله بقوله (لا يقدر على شيء) ولعلّ في ذلك مبالغة في عجزه عن التصرّف من ذاته، ثُمّ قابله بقوله (ومَن رزقناه منّا رزقًا حسنًا) فكان المقابل له الذي يملك حرّيته، فلا مالك له إلاّ الله الذي رزقه الرزق الوفير ثُمّ عقّب على ذلك بوصفه حرّ التصرّف فيما رزقه، فهو ينفقه على كلّ حال (سرًّا وجهرًا) وجاء قوله (هل يستوون) ولعلّ دلالة الاستفهام فيه مجازيّة لغرض التوبيخ لهم. ثُمّ استأنف الكلام بقوله (الحمد لله) وهي جملة اسميّّة فيها دلالة

(1) ينظر: مفاتيح الغيب 20/ 68،والميزان 12/ 293.

(2) الصورة الفنّيّة في المثل القرآنيّ / 288.

(3) المشاهد في القرآن الكريم / 326.

(4) إرشاد العقل السليم 5/ 129.

(5) ينظر: المصدر نفسه 5/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت