الثبوت والدوام في كلّ حين. ثُمّ بيّن الله تعالى أنّ طبائع البشر تأبى الإذعان والاعتراف مع وجود الأدلّة والبراهين بقوله: (بل أكثرهم لا يعلمون) ، فهم مصرّون على كفرهم وعدم إيمانهم، فلا يؤمن منهم إلاّ القليل.
المثل المجازيّ:
إذا كان المثل العقليّ يؤدي وظيفةً منطقيّةً استدلاليّةً، فإنّ هذا المثل يؤدي وظيفةً بلاغيّةً تخرج لبيان غرض معيّن من المثل، منها المبالغة، والكناية [1] ، فمن هذه الأمثلة المجازيّة التي تعطي دلالة الافتراض [2] ، قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر 21] . فترى أنّ الآية بالقدر الذي تشخّص فيه الجبل وتضفي عليه صفة الحياة، فهو يخشع ويتصدّع خوفًا من الله تعالى، فهي أيضًا تنكر على الناس هذا التجمّد الذي لا يستشعر عظمة القرآن، فـ (( لو أنزلنا القرآن على جبلٍ، وكان الجبل ممّا يتصدّع إشفاقًا من شيء أو خشيةً لأمر لتصدّع من صلابته وقوّته، فكيف بكم يا معاشر المكلّفين مع ضعفكم وقلّتكم، وأنتم أولى بالخشية والإشفاق ) ) [3] .
وممّا يلحظ في هذا التعبير الافتراضيّ البيان الأكبر في تقصير الإنسان عن التفكّر في القرآن الكريم، والأخذ بمضامينه والاسترشاد بهديه وأحكامه وذكر الجبل وخشوعه وتصدّعه يدلّل على هذا التقصير لا أنّ الجبل يخشع (( إذ ليس من شأن الجبل أنْ يخشع ولا أنْ يخشى والخشوع والخشية كلاهما أفعال القلوب التي لا تصدر عن جماد إلاّ أنْ يكون ذلك من صنع البيان إذ يبثّ الحياة في الصخر الأصمّ ) ) [4] . وجاء التعبير الافتراضيّ في هذا المثل بالطريقة المباشرة بـ (لو) الشرطيّة المتبوعة بالفعل الماضي (أنزلنا) وفي ذلك دلالة على عدم تحقّق
(1) ينظر: الصورة الفنّيّة في المثل القرآنيّ /255 ـــ 260.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 28/ 103، وينظر: إرشاد العقل السليم 8/ 233، حيث سمّاه تمثيلًا وتخييلًا.
(3) أمالي المرتضى، الشريف المرتضى 1/ 408، وينظر: الصورة الفنّيّة في المثل القرآنيّ /255.
(4) الإعجاز البيانيّ للقرآن / 226.