الحدث. وجيء بقوله (على جبل) بالتنكير، أي: أيّ جبل؛ لأنّ الجبل (( مثال لأشدّ الأشياء صلابة وقلّة تأثر بما يقرعه ) ) [1] . وقوله (خاشعًا متصدّعًا) أي لنزل أعلاه إلى الأرض خشوعًا ولتزلزل وتشقّق من مخافة الله تعالى، وقوله (لرأيته) ضمير الفاعل (( لغير معيّن فيعمّ كلّ مَن يسمع هذا الكلام، والرؤية بصريّة، وهي منفيّة لوقوعها جوابًا لحرف(لو) الامتناعيّة )) [2] . وقوله (وتلك الامثال نضربها للناس لعلّهم يتفكّرون) تذييل للمثال لبيان أنّ الغاية ممّا ساق من الأمثلة لأجل أنْ يتفكّر الإنسان ويتأمل، فعسى أن تحصل له الهداية والرشا د.
وتبرز المبالغة في المثل في تصوير الثواب الإلهي الذي أعدّه الله لمَن ينفق المال ابتغاءً لرضى الله تعالى، حيث يأتي هذا المثل الافتراضيّ [3] في قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 261] ، حيث يلحظ أنّ الآية الكريمة تُحفّز المسلمين على التصدّق على الفقراء في سبيل الله، وإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، فإنّها في باب الصدقة وعلى سبيل المبالغة - والله أعلم - بسبع مئة حسنة، لما فيها من منفعة لا تقف عند المتصدّق بل تتعدّاه إلى أبناء المجتمع، فحال المتصدّق تصوّر (( مشهد الحياة النامية، مشهد الطبيعة الحيّة. مشهد الزرعة الواهبة ثُمّ مشهد العجيبة في عالم النبات: العدد الذي يحمل سبع سنابل، والسنبلة التي تحوي مئة حبّة وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتّجه الضمير البشريّ إلى البذل والعطاء ) ) [4] .
وقد ورد التعبير الافتراضيّ في هذا المثل عن طريق التشبيه، فالمثل مصوّر للبركة التي يجعلها الله تعالى في ثواب مَن يتصدّق بما يملك، فجاء قوله (أموالهم) للدلالة على أنّ هذه الأموال ملكهم الخاصّ لا ملك غيرهم ولا مشارك لهم فيها، وفي قوله (في سبيل الله) بيان للغاية التي تُنفق فيها الأموال ويكون المثل مصداقًا لها. وقوله (حبّة) التي جاءت نكرةً؛ تصغيرًا لشأنها
(1) التحرير والتنوير 28/ 104.
(2) المصدر نفسه 28/ 104.
(3) بنظر: الكشاف 1/ 306، والميزان 2/ 356، وينظر: مجمع البيان 2/ 270، حيث قال في تفسيره لهذه الآية إنّ المثل (( مُتصوّر وإنْ لم يُرَ ) ).
(4) في ظلال القرآن 1/ 306.