في ذاتها ولعلّ في العدد سبعة في قوله (سبع سنابل) بيانًا للكثرة لا العدد نفسه، فضلًا عن أنّ التعبير بجمع التكسيرفيه دلالة الكثرة [1] . ودلّ قوله (في كلّ سنبلة) على الاستقصاء للسنابل واحدةً واحدة. ثُمّ يترك الله أمر الثواب والزيادة مفتوحًا تبعًا لإرادته ومشيئته، ويبين إحاطته وعلمه بمَن يستحقّ الزيادة بقوله: (والله واسع عليم) الذي ورد مقرّرًا للتعبير السابق له.
وكان الأدب القرآنيّ في طرح عدد من القضايا يستعمل الأسلوب الرمزيّ أو يضرب الأمثلة لبيان حكمٍ شرعيّ أو تصحيح لخطأ في تصرّفٍ ما، وجاء البيان أحيانًا من خلال افتراض لشيء غير موجود في الواقع، فقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [سورة ص 23] ، ورد فيه التعبير متحدّثًا عن خصمين (( وقد فرضا أنفسهما أخوين وفرضا الخصومة في معاملات القرابة وعلاقة النسب واستبقاء الصلات ) ) [2] ، كما فرض التعبير وجود تجاوزٍ من أحدهما على الآخر، وظلمه له (( على سبيل التصوير للمسألة والفرض لها مرّة غير تلبسٍ بشيء منها، فمثّلوا بقصّة رجل له نعجة ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المئة، فطمع في نعجة خليطه وأراد انتزاعها منه، وحاجّه في ذلك محاجّة حريص على بلوغ مراده ... وهذا التصوير والتمثيل أبلغ في المقصود وأدلّ على المراد ) ) [3] .
وقد ورد التعبير الافتراضيّ في هذا المثل مؤكّدًا بقوله تعالى (إنّ هذا أخي) ، ولعلّ في استعمال اسم الإشارة (هذا) بيانًا أنّ المخاصِم له قريب له تربطه معه رابطة الأخوّة. وقوله (له تسع وتسعون نعجة) حيث قدّم الجار والمجرور لبيان أنّ المخاصِم هو صاحب الملك الكثير والكبير. وقيل في التعبير بـ (نعجة) إنّه كناية عن المرأة، والعرب تكنّي عن المرأة بالنعجة [4] .
(1) ينظر: كتاب سيبويه 3/ 490 ـــ 493،ومعاني الأبنية، فاضل السامرائيّ / 135، والتعبير القرآنيّ، فاضل السامرائيّ /40.
(2) التحرير والتنوير 23/ 134ـــ 135.
(3) البحر المحيط 9/ 149، وينظر: الكشاف 4/ 80 ـــ 83، وإرشاد العقل السليم 7/ 221.
(4) ينظر: الكشّاف 4/ 80 ـــ 83، ومجمع البيان 8/ 518، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 27، والبحر المحيط 9/ 149.