الصفحة 95 من 227

وقوله (اكفلنيها) ورد بصيغة الأمر، وقد جاء أمرًا حقيقيًا لا التماسيًّا، وفيه من القهر والتسلّط الذي يُجبره على الإذعان للأمر. وقوله (عزّني في الخطاب) ، أي غلبني في المخاطبة فلم أستطع ردًّا لما قال لي، إذ يقال: عزّ عليّ كذا بمعنى: صعب، وعزّه كذا بمعنى: غلبه، وقيل في معنى الآية، أي صار أعزّ منّي في المخاطبة والمخاصمة [1] .

الافتراض ــ كما تقدّم ــ من أساليب التعبير في القرآن الكريم، وهذا الأسلوب لا يأخذ نمطًا واحدًا يسير عليه أو يأخذ به، وإنّما يُفهم من سياق التركيب أو العبارة التي يرد فيها. لذا فقد ارتبط ببعض الأساليب اللغويّة منها: الشرط، الاستفهام، وضرب الأمثلة. ويبدو أنّ ارتباطه بالشرط كان أكثر وأشيع من غيره لما في هذا الأسلوب من ربط حصول الجواب بحصول شرطه وهو ما عليه الافتراض في الكثير من سياقاته.

إنّ الافتراض طريقة من طرق الاستدلال على صحّة قضيّة أو مسألة أو نفي صحّتها، فهذه القضيّة قد تكون غامضة على المخاطب أو يكون شاكًّا فيها أو جاهلًا لها، أو قد لا يكون له أيّ تصوّر عنها، فالافتراض يقتضي (( أنْ يسوق المستدلّ في برهانه بعض القضايا التي ليس في مقدوره أنْ يجزم بصدقها، فينسب إليها الصدق ليبني عليها أحكامًا أو يستنتج منها نتائج تفيد الدعوى ) ) [2] .

إذًا الافتراض الحاصل بالجملة الشرطيّة تعبير (( يختصّ بإفادة التقدير من غير أنْ يذكر بلفظه، هذا التعبير هو بالذات(الجملة الشرطيّة) إذ يكون فيها (فعل الشرط) باصطلاح النحاة أو (المقدّم) باصطلاح المناطقة بمنزلة الجزء المقدّر و (جواب الشرط) باصطلاح النحاة أو ... (التالي) باصطلاح المناطقة بمنزلة الجزء المبني على ما قُدّر )) [3]

لعلّ الغاية الأولى والأخيرة للافتراض - في معظم أمثلته -، هو إثبات صحّة قضيّة أو إنكارها، وهذا الإثبات أو الإنكار، لغموض البرهان المتيقِّن فيه يُلجئ المُبرهِن إلى فرضيّات

(1) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن / 564 (عزّ) .

(2) اللسان والميزان أو التكوثر العقليّ، طه عبد الرحمن / 356.

(3) اللسان والميزان /356.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت