فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 780

وعندما لم تستطع أوروبا أن تثبت أقدامها في العالم العربي بعد الحروب الصليبية بقوة السلاح بدأت تبحث عن العوامل التي حالت دون ذلك، وفي الوقت ذاته ظهر الاستشراق الذي كان من أول أهدافه أن يبحث لأوروبا عن سلاح غير أسلحة القتال، وبَعْد الدراسة والبحث تبين للمستشرقين: أن العامل الرئيس في قوة المسلمين هو القرآن الكريم؛ ولذلك فلا بد من العمل على إزالته.

وفي العصر الحديث وفي مجلس العموم البريطاني رفع (غلادستون) المصحف قائلًا: «إنكم لن تستطيعوا أن تحكموا المسلمين إلا إذا نزعتم هذا منهم» . ولكنهم بعد استعمارهم لبلاد المسلمين توصلوا إلى أنه لا يمكن نزع القرآن الكريم من حياة المسلمين إطلاقًا، ولكن من الممكن نزع تأثيره؛ ويصبح شكلًا دون مضمون، أو جسدًا بلا روح، ولا يمكن نزع تأثيره إلا بإضعاف أدوات فهمه وتدبره، وفي مقدمتها: اللغة العربية الفصحى، والعلم الشرعي وعلمائه.

وهنا قرروا العمل بهذا الاتجاه، والذي يؤكد ذلك كثير، ومنه ما ورد في تقرير لجنة العمل المغربي الفرنسي: «وإن أول واجب هذ السبيل ـ مقاومة الإسلام ـ هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها؛ بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمالي أفريقية حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم، ويمكن التغلب على عواطفهم» (3) .

وقد أدرك هؤلاء أن اللغة العربية تعتبر من أهم عناصر قوة الأمة الإسلامية؛ لأنها لغة القرآن والعنصر الرئيس في توحيد الأمة الذي يرتفع فوق العصبيات والقوميات، ولم يكن هذا الأمر وليد الساعة، بل تنبه إليه الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ وإليه أشار سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بقوله: «تعلموا العربية فإنها من دينكم» (4) . وأشار إليه كذلك الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عندما قرر أن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله.

وعندما جاء الاستعمار الحديث إلى البلاد العربية، وقامت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة (نابليون بونابرت) ، وقد تم اختيارها ـ مصر ـ؛ لأنها بلد العلم ومصدر إشعاعه في العالم الإسلامي، ورافق المستشرقون الحملة ليضعوا أسس إضعاف تلك الأدوات ـ اللغة العربية، والعلم الشرعي وعلمائه ـ وتهميشهًا؛ ولتحقيق ذلك اصطحبت الحملة معها كتبًا كثيرة، وفتحت مراكز للثقافة، وتوجهت إلى الأزهر ورجاله ودور العلم والمكتبات، وعاثت فيها فسادًا من كل جوانبها.

وبعد أن خرج الفرنسيون صار أمر مصر إلى محمد علي باشا (الألباني) عام 1805م، وسيطر قناصل أوروبا على مرافق البلاد، وفي مقدمتها التعليم، وركزوا على عدة أمور من أبرزها: إضعاف مناهج اللغة العربية، وتدعيم نشر العامية، وإبعاد الناس عن العلم الشرعي؛ وذلك برفع مستوى دخل المختص في غير العلوم الشرعية، وتشويه صورة العلماء في نفوس الناس.

وانطلاقًا من تلك الأمور وغيرها أرسلت البعثات العلمية إلى فرنسا عام 1826م، وكان ممن رافق البعثات الأولى إمامًا ومرشدًا لها الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي، وبدلًا من أن يكون عامل وقاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت