حين نرجع إلى المعنى اللغوي للتربية نجد أن من معانيها النمو والزيادة، ومنه أيضًا التدرج (فالتربية جهود تراكمية، يرفد بعضها، بعضًا والزمن واضح في قولهم: تربى، وتنشأ، وتثقف؛ فالتنشئة والتغذية والتثقيف لا تكون أبدًا طفرة ومرة واحدة، وإنما تتم على مراحل متتالية...) (1) ؛ وذلك لأن (للجوانب التي تتطلب التربية والإصلاح في النفس البشرية من الاتساع والتعدد والتنوع ما يجعلها في وقتٍ وجهدٍ أمرًا عسيرًا ومتعذرًا) (2) .
ثم إن المتربين والمتعلمين ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك، ولا على درجة واحدة في الحرص والرغبة.
وقد كان التشريع الذي نزل من عند الحكيم الخبير، يرعى التدرج وتمرين الناس على قبول الشرائع وترويضهم عليها؛ حيث خوطب الناس ابتداءً بالأهم فالأهم، فكان التأكيد أولًا على تحقيق التوحيد، حتى إذا استقرت نفوسهم أمروا بالفرائض ثم سائر الشرائع والأحكام. تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا..» الحديث (3) .
وكذا كان المنهج النبوي في التربية والتعليم يقوم على التدرج ومراعاة الحال.
-روى ابن ماجه عن جندب بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا» (4) . كم نستعجل أحيانًا في تعليم القرآن (حفظه) للأبناء والتلاميذ قبل تثبيت الإيمان في نفوسهم، كم رأينا ممن قارب إتمام القرآن حفظًا فانقطع وتغير سلوكه؛ لأن بناء الإيمان لم يتزامن مع الحفظ، إني بهذا الكلام أؤكد دور التربية والبناء الإيماني، ولا أقلل من أهمية الحفظ.
-وفي حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن قال: إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض الحديث» (5) .
-وإن من التدرج ومراعاة الحال في التربية والتعليم عدم تقديم ما حقه التأخير، وأن يُخَصَّ بالعلم أناسٌ دون غيرهم مراعاةً للفهوم وتقديرًا للمصالح. روى البخاري في صحيحه قال: (باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا) وذكر تحته حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: ذُكِر لي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» قال: ألا أبشر الناس؟ قال: لا؛ إني أخاف أن يتكلوا» (6) .