فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 780

الله في الصديق البار المقبل عوضًا من ذي الرحم العاق المدبر) (13) . وانظر كيف سأل موسى ـ عليه السلام ـ ربه أن يجعل معه أخاه هارون وزيرًا.

3-وحين نوسّع النظرة نرى الأخوة رباط المجتمع وعماده، وصمام أمانه، وسرّ قوته.

ويوم أن يكون المؤمنون جسدًا واحدًا فإنه يستحيل لقوة بشرية - كائنة ما كانت - اختراقهم، إلا حين يدب الداء من داخلهم. ويوم يتحقق الجسد الواحد نرى النتائج الطيبة التي حققها الرعيل الأول حين نشروا الإسلام في أرجاء المعمورة، وانبثقت عنهم حضارة الإسلام (14) .

وبالجملة: فإن أقل ما تستفيده من الأخ: (أن يحفظك في حضرتك ومغيبك، وأن تنفعك محبته ودعاؤه في حياتك ومماتك، وأن يدافع عنك، وقد يعرّفك ويصلك بمن تستفيد منهم) (15) لدنياك وآخرتك.

لأجل هذه الأمور ونحوها كان ابتعاد المسلم عن إخوانه وانقطاعه عنهم عقوبة من أعظم العقوبات، قال الشافعي: (ضياع العالم أن يكون بلا إخوان) (16) . وهل كانت عقوبة الثلاثة الذين خُلّفُوا ـ رضي الله عنهم ـ إلا بقطع صلتهم عن إخوانهم وحجبهم عنهم؟ ولا عجب فإن المؤمن بلا إخوان كعضو بُتر من جسد؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد شبه المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وجعل مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (17) .

شرائط الأخوة وضوابطها:

إن من ينشد تلك الفضائل والمقاصد من علاقة يقيمها هو وفق هواه كمن ينشد الماء في السراب؛ فإن ذلك مكسب كبير لا يتأتى إلا من علاقة خاصة تتوجها الحلل الآتية:

1-كونها خالصة لوجه الله ـ تعالى ـ، مجردة من المقاصد المادية؛ ففي الحديث أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ـ عز وجل ـ. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه (18) ، وإلى هذا المعنى تشير النصوص العامة في اشتراط الإخلاص في كل عمل، وبخاصة الواردة في المؤاخاة والمحبة.

2-اقترانها بالإيمان والتقوى: (( إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ) ) [الحجرات: 10] ، وبيّن ـ عز وجل ـ تبدد العلاقات إلا ما كان عماده التقوى، فقال: (( الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ ) ). [الزخرف: 67]

3-التزامها منهج الإسلام وتعاليمه: وإليه يلمح قوله -صلى الله عليه وسلم- في نعت الأخوة الموصلة إلى ظل الله ـ تعالى ـ: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت