لقد شرع الله ـ عز وجل ـ كثيرًا من العبادات الجماعية التي تقوي الصلة بين المسلمين، كصلاة الجماعة والجمعة، وصلاة العيدين والحج، وشرع أيضًا عبادات أخرى تحقق التكافل والتعاون بينهم كالصوم والزكاة، وأوجب حقوقًا وواجبات متبادلة بين الأرحام والجيران، وتزداد إذا كان القريب أو الجار مسلمًا صالحًا. كما شرع كثيرًا من المعاملات التي تزيد روابط المجتمع وثوقًا كالقرض والحوالة، وحرّم أخرى كالبيع على البيع، والشراء على الشراء، والخِطبة على الخِطبة، والنجش والربا، وقرر أصولًا في التعامل: كالصدق والبيان لعيوب السلعة، والخيار، والوزن بالقسط (25) .
وإن من أعظم ما يعمق الأخوة أمرين: القيام بحقوق الأخوة، والتزام آدابها. وبين هذين الأمرين تشابه واشتراك وتداخل، ولكن الحقوق أوجب وألزم من الآداب. والآداب هي مكان من باب الاستحباب، وقد يقوى بعضها فيصير واجبًا لما يقترن به من القرائن.
أولًا: حقوق الأخوة:
وهي حقوق واجبة الوفاء، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج، فهي واجبة ـ بنص الشارع ـ على المسلمين بعضهم لبعض، وتتأكد أكثر في حق من تربطك بهم علاقة أخرى، كالاجتماع على الخير والعلم والعبادة والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن تلك الحقوق: إفشاء السلام، ورده، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم، وإجابة الدعوة، وبذل النصيحة وقبولها (26) .
ومن حقوق الأخوة: ما جاء في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) (27) .
وهذا الحديث مأخوذ من قول الله ـ تعالى ـ: (( إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ) ) [الحجرات: 10] فإذا كانوا إخوانًا أُمروا بما يوجب الألفة، ونُهوا عما يوجب الفرقة، وهذا من ذلك. وهذا كقوله: (وكونوا عباد الله إخوانًا) ، فإن فيه الأمر باكتساب ما يصير به المسلمون إخوانًا على الإطلاق، ويدخل فيه أداء الحقوق الواردة في الحديث، وغيرها (28) .
ولعظم حق المسلم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب بالجملة الأخيرة من الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) في المجامع العظيمة: في عرفة، والنحر، واليوم الذي بعده. ورعاية لحرمة المسلم حرّم الشارع السرقة، والغيبة، والترويع، والمزاح بأخذ متاع المسلم، والتناجي دونه (29) وخلاصة هذه الحقوق كلها: ما ثبت في الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (30) .