فهرس الكتاب
بالمتابعة الأولون؛ لأنهم رأس المال، ورأس المال يحتاج إلى محافظة وسعي في تطويره، مع عدم إهمال المبتدئين؛ فالمتابعة يحتاجها الجميع ليس لها مدة معينة، أو وقت محدد، أو أشخاص معينون.
4 -ظن البعض أن المتابعة أو التربية تعني أن يُضرب حول المتربي بسور حتى لا يتعامل مع غيره ولا يستفيد من غيره، حتى إنه ليصبح شديد المحاسبة والغضب لمجرد رؤيته لبعض أقرانه يسلِّم على من يربيه أو يبتسم له، وحتى إنه يتطفل ويتدخل في أخص خصوصياته ويضعه في قفص حديدي وفي عنقه ويده الأغلال والحبال، حتى يصبح كابوسًا جاثمًا على صدره (دور المربي في الدعوة الفردية) .
5 -الخلط بين معنى المتابعة والأخوة الخاصة؛ فالبعض تكون علاقته بالمدعو علاقة أخوة خاصة لكن ليس فيها معنى القيادة والتوجيه؛ وعلاقة الأخوة الخاصة هذه تليق وتصلح للأقران أكثر من التلاميذ. (دور المربي في الدعوة الفردية) .
6 -البحث والتنقيب عن أخطاء وزلات المتربي بحجة معالجتها ظنًا منهم أن ذلك من المتابعة، ومن ذلك: (التجسس والاستماع لحديث غيره دون علمه، والاطلاع على ما يخصه دون إذنه) كل هذه الأمور محرمة شرعًا، وجرأة بعض المربين على تجاوزها داخل في عموم قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] . وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنه الآنك يوم القيام» (1) ، والشعور بالأمانة والمسؤولية ليس عذرًا للمرء أن يتطلع إلى ما لا يحل له التطلع إليه؛ فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل أن يطرق أهله ليلًا معللًا ذلك بقوله: «يتخونهم أو يلتمس عثراتهم» (2) . وأظن أن مسؤولية المربي وخصوصية دوره تتجاوز مسؤولية الزوج عن أهله. ولا تدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرض ما وراء الظاهر والدافع؛ لذلك كله لا يسوغ أن يكون على حساب الضوابط الشرعية.
والحقيقة أن ثمة فرقًا بين الدعوة والتربية، وبين التعامل وإجراء الأحكام؛ فالدعوة والتربية يجب أن تتجه إلى إصلاح القلوب وتنقية السرائر؛ فصلاح الباطن هو الأساس. أما التعامل وإجراء الأحكام فهو على أساس الظواهر، ولا يسوغ للإنسان السعي للتنقيب عن الباطل، وأولئك الذين يكلفون أنفسهم عناء البحث عن البواطن والتفتيش في الدواخل تبدو لهم مشكلات لا يطيقون حلها، فيعيشون حالة من القلق كان بإمكانهم تجاوزها لو اتبعوا المنهج الشرعي في الوقوف عند الظاهر (3) .
فخرج من هذا كله أن المتابعة يجب أن تكون وفق الضوابط الشرعية، ومن ذلك أن تكون في حدود الظاهر، وأن تكون مضبوطة بميزان الاتزان، وأن يلزم هذه المتابعة شعور الرحمة واللين والرفق وحب الإصلاح لمن تتابعهم.
هل للمتابعة بالمنهج النبوي الذي ذكر الكاتب شواهد عليها توازي المفهوم السائد اليوم؟