فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 780

يقول الدكتور سلمان العودة ـ حفظه الله ـ: «هناك العزلة القلبية التي يقصد بها أن المؤمن الملتزم بالمنهج الصحيح، وإن خالط الناس وعاشرهم ببدنه؛ فإنه مزايل لهم بعلمه وقلبه، مفارق ما هم عليه من التعلق بالبدع، أو الولع بالدنيا، أو اتباع الهوى، ساع لنقلهم عما هم فيه إلى حيث السلامة والأمان. فهو يخالط الناس لغاية واضحة، هي العمل على انتشالهم من الضلال إلى الهدى، ومن البدعة إلى السنَّة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا يستطيع أن يؤدي ذلك بصورة صحيحة مؤثرة إلا من دَاخَلَ الناس وعاشرهم، وعرف أحوالهم، وأحسن إليهم بلسانه ويده ـ ما استطاع سبيلًا ـ.

وهذه المخالطة المقصودة تجعل في قلب المخالط شعورًا متميزًا يحميه من التأثر بأعمال الناس وأهوائهم وانحرافاتهم إلى حد بعيد، وبذلك يتمكن من اكتساب الخصائص الخيرة الجميلة التي قد تنقصه، ومن الانتفاع بالتجارب التي تزكي العقل الغريزي وتنميه، ومن الاطلاع على أحوال الزمان وأهله، ومعرفة حقيقة الانحرافات وأبعادها، ليقوم ـ بعدُ ـ بمدافعتها، وعلاجها بالأسلوب الأمثل، دون أن يؤدي به ذلك إلى الذوبان في المجتمع المحيط به، أو التخلي عن علمه، ونيته ودعوته.

وبذلك يجمع بين الخلطة والعزلة، الخلطة بجسده ومدخله ومخرجه، والعزلة بقلبه وعمله ومشاعره، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «خالطوا الناس، وزايلوهم، وصافحوهم، ودينكم لا تَكْلَمُوه» (1) .

9 ـ برامج عملية وخطوات إجرائية للمعايشة:

لعل البعض يطالب بتحويل هذا الكلام النظري إلى برامج عملية وخطوات إجرائية يمكن قياسها وتقويمها، ولا شك في أهمية هذا المطلب، خاصةً أن البعض قد يجيد التنظير والتقعيد الكلامي ويعجز عن ترجمته (كلاميًا) في أرض الواقع؛ لذا كان لزامًا علينا أن نضع بعض البرامج العملية والخطوات الإجرائية في معايشة المربي لمن يربيهم، وننبه إلى أهمية استثمار تلك المحاور والخطوات في التوجيه والتربية، وهي كالتالي:

1 ـ مرافقته في بعض الشعائر التعبدية؛ كالصلاة معه، وأخذه لذلك، ومرافقته في العمرة والحج، واتباع الجنائز، وغير ذلك، واستثمار الرفقة في التوجيه والتربية.

2 ـ توثيق الصلة معه بالإقبال والسلام عليه، والتبسم في وجهه، والسؤال عنه وعن أهله، والاتصال به هاتفيًا من أجل ذلك، وزيارته في بيته، والسؤال عنه إذا غاب أو تأخر، والقرب منه عند وحدته، وإهدائه، وإجلاسه بجوارك عند مقابلته، والأخذ بيده، وتبادل أطراف الحديث معه في حال اللقاء به، ومناداته بأحب الأسماء إليه، وتكنيته، ومرافقته معك في السفر، ومراسلته، ومعرفة اهتماماته ومحبوباته، وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت