وكما يشدنا الأذان إلى كلماته ، يشدنا إلى تاريخه ، فتاريخه هو تاريخ الإسلام في الأرض، وهو تاريخ التوحيد في صراعه مع الشرك.
لما فتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة ، وطهر البيت من الأصنام التي فيه وفيما حوله ، دعا مؤذنه بلالًا ، وأمره أن يصعد على الكعبة ويؤذن ، فارتقى (رضي الله عنه) ، ورفع صوته بالأذان، فكان هذا الأذان أبلغ رسالة لقريش تخبرها بمواصفات العهد الجديد.
ولقد قال أحد المشركين ـ وهو يسمع الأذان ويرى بلالًا يجهر به فوق الكعبة ـ: »أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنًا؟ « وقال آخر: » الحمد لله الذي قبض أبي قبل أن يرى هذا اليوم« فكانت كلمات هذين المشركين تلخيصًا لما دافعت عنه قريش مدة عشرين عامًا، ولكن الحق إذا جاء زهق الباطل ، ولقد كانت تلك الأصنام قبل قليل آلهة تعبد ، أما الآن فالله أكبر ولا إله إلا الله.
وارتبط الأذان في فترة النبوة باسم بلال وإن كان لرسول الله مؤذنون آخرون ، ولما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- امتنع بلال عن الأذان ولحق بالشام مجاهدًا ومرابطًا في سبيل الله ، فلما فتح المسلمون مدينة دمشق وذهب عمر (رضي الله عنه) يزورها ، توسل رؤساء القوم إلى بلال ـ وكان حاضرًا ـ أن يؤذن فأذن إكرامًا لمقدم أمير المؤمنين ، فما رؤي أحد إلا وهو يبكي؛ لأن صوته ـ الذي انقطع عنهم أكثر من اثني عشر عامًا ـ ذكرهم بأيام عزيزة عندما كان يؤمهم سيد الخلق (عليه الصلاة والسلام) ، فقد كان المسلمون إذا فتحوا بلدًا بنوا به المساجد ، ورفعوا فيها الأذان ، وأقاموا فيها الصلاة ، وجلسوا بها لتعليم العلم.
وصار سماع الأذان في قرية علامة على إسلام أهلها؛ فإذا سمعه المسلمون كفّوا عنها، وميزوها عن غيرها من القرى الكافرة ، وكان لصيحة (الله أكبر) ـ وهي من كلمات الأذان ـ هيبتها عبر التاريخ الإسلامي ، فقد كانت تزلزل قلوب الأعداء ، وتلقي الرعب في قلوب الكفار ، فهي كلمة الثبات وكلمة النصر ، فإذا غزا المسلمون قالوا: »الله أكبر « ، وإذا فتح الله عليهم ونصرهم أذنوا فقالوا: » الله أكبر«.
ولقد استغل التتار أيام هجومهم على بلاد الإسلام دور الأذان في جمع المسلمين عند ساعة المحنة ، فكانوا إذا خربوا مدينة من مدن الإسلام يرفعون الآذان في بعض مآذنها بعد يوم أو يومين ، فكل من كان مختبئًا يخرج معتقدًا أن العدو زال عن المدينة ، فكانوا يغرون بهم ويقتلونهم ، وبقي الأذان والمئذنة رمزين في صراع المسلمين وأعدائهم ، وكانت أحقاد اليهود والنصارى والمشركين تتجه أول ما تتجه إلى المآذن والمؤذنين ، وكلنا يتابع ما يفعله الصرب في البوسنة وما يفعله الصهاينة في فلسطين والهندوس في الهند والروس في الشيشان، ومايفعله غيرهم في بلاد مختلفة من العالم، مما يبين أن الأذان والمئذنة رمز لأمة، وشعار لدين ، فهما مستهدفان كما يستهدف اللواء في المعارك والحروب.
الأذان والدعوة إلى الإسلام: