وتأمل كلماته -صلى الله عليه وسلم - ، وهو يستقرئ المستقبل والمصير؛ عندما يتم قدر الله بقوم عاد ثمود المارقين عن لحن الوجود المؤمن، على يد الصواعق؛ وكأنها جند رباني تنفذِّ سننه سبحانه.
أما غيرُ المؤمن؛ فإنه يتعامى عن هذه الرؤية؛ لأنه ينتسب إلى تيارٍ، قد وصفه ـ سبحانه ـ بعدم الفقه؛ أي بعدم فقه سننه ـ سبحانه ـ في الكون والحياة: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] .
? شهداء على عصرهم وأممهم:
ولو حاولنا ربط مواقف هؤلاء الرواد؛ لوجدنا سمات عامة تجمع خطابهم، سواء من الجانب التربوي أو الإداري؛ فمنها:
1 -الفراسة الإيمانية أو (الرؤية المستقبلية) .
2 -الرؤية البصيرة المميزة للأشخاص والأشياء والأحداث (مهارة التحليل) .
3 -القدرة على الحوار، وقوة الحجة والمنطق أو (مهارة التفاوض والاتصال) .
4 -الثبات على المبدأ، أو (الشجاعة الأدبية) .
5 -الدراية بالواقع وأخباره، أو (مهارة إدارة المعلومات) .
6 -المبادرة، أو (الإيجابية) .
7 -حب الخير، أو (نظرية اربح وربِّح، أي التوازن في العلاقات والإنجاز) .
8 -الدراية بالتاريخ وأحداثه، أو (الفقه الحضاري) .
9 -الرجولة، وتحمل تبعات الموقف، أو (القيادية) .
وهذه السمات كلها تندرج تحت معنى شامل لها؛ وهي صفة الرائد الذي لا يكذب أهله.
ونقصد بهذه السمات؛ أنها ركائز شخصية الشهيد؛ الذي يتحمل تبعات مقام الشهادة على الواقع وأحداثه وأشخاصه وأشيائه، كما تحدث عنها القرآن الكريم.
ولقد صدق كل منهم في شهادته، وصدَّقه الحق سبحانه.
لذا يمكننا اعتبار كل منهم شاهدًا على عصره.
وتأمل كيف ذكرت صفة (الشهيد) ، و (مقام الشهادة) في السياق القرآني؛ في موقف يوم القيامة عندما يبعث الحق ـ سبحانه ـ من كل أمة شهيدًا عليها، وهو رسول كل أمة: {فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا}
[النساء: 41] .
فإن المؤمن أيضًا من هذه الأمة القوّامة الراشدة، يستشعر أنه مُكرَّم من قِبَل الحق ـ سبحانه ـ بوضعه في المكانة الرائدة؛ بجعله من الشهداء على الناس: {وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] . فالرسول -صلى الله عليه وسلم - يشهد على هذه الأمة، ويحدد نهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها، وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوّامة على