فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 780

أولًا: داخليًا يستشعر العبد قسوةً وجفاء مع نفسه.

ثانيًا: خارجيًا يستشعر العبد قسوةً وجفاءً مع الوجود كله.

والنتيجة هي الشعور بأن النفس والوجود يتنكران له؛ فما هي بالنفس، وما هو بالوجود الذي يعرفهما.

وبمعنى آخر؛ هي الظاهرة التي تبحث في حالة صدأ القلب، أو حالة الجفاء الروحي، التي يستشعرها العبد المؤمن، عندما يقصر في طاعته سبحانه؛ فلا يستشعر للعبادة حلاوة، ولا للطاعة لذة، ويقاسي ألم البعد عنه عز وجل، ويتحول هذا إلى شعور بوحدة قاسية، ومسافات شاسعة، وحواجز نفسية تفصل بينه وبين الخلائق، خاصة الصالحين.

ويسير في الأرض ـ والعياذ بالله ـ كالحيران الذي تتقاذفه عوامل الجذب في كل اتجاه، ويصبح كحلبة يلتقي عليها المتصارعون؛ أو يكون نقطة التقاء للصراع عليه بين استهواء وإغواء شياطين الإنس والجن، وبين رفقة الخير من الدعاة المصلحين: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] .

ويمتد هذا الشعور بغياب لذة الطاعة وألم البعد عنه ـ سبحانه ـ إلى حالة من غياب الرغبة في الحياة عمومًا، وضياع اللذة في المعيشة في الدنيا، ثم فوق ذلك؛ استشعار خيبة الأمل في النجاة في الآخرة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .

وهو تحذير إلهي، لكل من «خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه؛ فإن له معيشة ضنكًا؛ أي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله؛ وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى؛ فهو في قلق وحيرة وشك؛ فلا يزال في ريبة يتردد؛ فهذا من ضنك المعيشة. عن أبي سعيد في قوله {مَعِيشَةً ضَنكًا} قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه. وقال عكرمة: عَمِيَ عليه كل شيء إلا جهنم، ويحتمل أن يكون المراد أنه يُبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة» (4) .

وهذا الشعور ما هو إلا نتيجة لعقاب الله ـ عز وجل ـ للعاصي والمسرف المقصر في طاعته سبحانه.

2 -هل ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية؟

وعندما نقول إنها سنة إلهية، فإننا نقصد أن هذه الظاهرة هي محصلة لفعل قوانين ربانية، وقواعد إلهية ثابتة، أو هي نتيجة لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية انطبقت عليها القوانين الإلهية فكان الجزاء في صورة تلك الظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت