إذن هذا الجفاء الروحي نتيجة لخلل ترتب على وجود أسباب بشرية من فعل العبد.
وعندما نقول إن ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية اجتماعية؛ فإننا نقصد أنها من القوانين الربانية والقواعد الإلهية المنظمة لعالم الأحياء، أو الأنفس، وخاصةً البشر.
أي أن لها أسبابًا أوجدتها.
وهذه الأسباب أوجدت خللًا.
وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي؛ أو الجزاء.
وهذا العقاب تحكمه قوانين؛ تعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية.
والأسباب أو الظروف البشرية هنا هي التقصير بكل درجاته.
والنتيجة المترتبة هي حالة القسوة القلبية والانفصال عن المنظومة الكونية العابدة.
والمعادلة أو القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية؛ هي كما يلي:
(أسباب تعود إلى العبد ، خلل تربوي ، عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل) .
وبمعنى أبسط: هذه الظاهرة، أو هذا الشعور ما هو إلا نتيجة لعقاب الله ـ عز وجل ـ للعاصي والمسرف المقصر في طاعته سبحانه.
أي إذا قصر العبد في طاعته ـ سبحانه ـ فإنه يترتب على ذلك خلل داخل العبد مع نفسه، وخارجه؛ أي مع المجتمع ومع الوجود العابد لربه، وهنا تأتي السنة الإلهية في هيئة عقاب من نفس نوع الأسباب التي عملها العبد؛ أي يزيده بعدًا وجفاءً مع نفسه ومع الوجود من حوله.
وتدبر هذا الحوار بين العبد وربه؛ فلقد تساءل العبد ما جرمه وما سبب هذا العقاب، وكانت الإجابة منه ـ عز وجل ـ حيث يبين الحق سبحانه هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية التي تنطبق على كل من أسرف في الذنوب، وقصر في الطاعة.
«ولهذا يقول: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا } [طه: 125] ؛ أي في الدنيا. {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 126] ؛ أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها؛ كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51] ؛ فإن الجزاء من جنس العمل» (1) .
ثم يبين الحق ـ سبحانه ـ هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية؛ والتي تنطبق على كل من أسرف في غيه وكذب بآياته سبحانه:
{وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127] .
«يقول ـ تعالى ـ: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة. لهم عذاب في الحياة الدنيا {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [الرعد: 34] ، ولهذا قال: وَلَعَذَابُ