ظهرت للمرء حاجةٌ فسأل قضاءَها من غير الله سبحانه وتعالى فكيف له أن يشعر بوجوب التجائه إلى الله سبحانه وتعالى ؟ ومن ناحية ثانية فإن أكثر ما يُذكَر عن هؤلاء الشيوخ غيرُ صحيح ، والشعر المذكور آنفًا نعُدُّه من هذا القسم ، فإذا كان قد اختُلق الكذبُ بالآلاف من الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فكيف لا يُكذَبُ على عبد القادر الجيلاني أو الجنيد أو الإمام الرباني ؟ ولو فرضنا أن عبد القادر الجيلاني جاءنا وذَكر لنا هذا الشعر لم نُسلِّم له به معتذرين عنه بقلّة علمنا إلى جانب علمه ، بل نردّه عليه غيرَ متردِّدين ؛ لأننا سنُحاسب يوم القيامة عن القرآن وليس عن عبد القادر الجيلاني . عماد: ألا يستعين الناس بعضُهم ببعض ؟ فكيف لا يُستعان بغير الله إذن ؟ المحب: توجد العديد من الآيات والأحاديث التي تَحثُّ على التعاون والتناصر لكن الكلَّ يعلم أن طلبَ المعونة من الأموات تختلف عما نحن فيه ؛ فبعض الناس يستعينون بهم في المواضع التي يجدون أنفسهم عاجزين عنها ، فيدعونهم لدفع ضر أو جلب مصلحة متخذين وسائل خارقة للعادة .
وأضرب مثلًا: واجه بعضُ الناس سيلًا جارفًا وهم ركوب في سياراتِهم ، فدعا أحدُهم الرفاعي قائلًا: « يا سيدنا يا رفاعي ! يستعين به ، ولو أن هذا الداعيَ سأل الله العليمَ البصيرَ الخبير الذي لا يخفى عليه شيء لكان قد أحسن الصنع ، ولكنه يسأل السيدَ الرفاعي الذي يرقد في قبره ؛ فهذا يعني أنه يؤمن بأن الرفاعي قادر على سماع دعائه والمجيء إلى ذلك المكان وإعانته فورًا ، فهذا الداعي يتخيل في الرفاعي بعض الصفات التي هي فوق صفات البشر ، منها: الحياة والعلم والسمع والبصر والإرادة والرحمة والقدرة ، والحياةُ خلاف الموت ، فلو لم يكن يَعُدُّ الرفاعي حيًا لما دعاه أو سأله المعونة ، ولو كان هذا الفعل صوابًا لفعله صحابة محمد صلى الله عليه وسلم مع وقوعهم في المضائق والكربات ، ومع هذا لم يذكر عن أحد منهم أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم . تقطب جبين عماد حين سماعه لهذه الكلمات وقال معارضًا: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم يغيث أمته ويلتقي بالصالحين منهم . المحب: أخي ! من الذي جعل هذا معلومًا ؟ رسولنا صلى الله عليه وسلم بلَّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وهو يقول فيما ذكره الله على لسانه: ] قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَراًّ[ ( الأعراف: 188 ) وجسده الشريف في قبره لا يخرج منه إلى يوم القيامة .
عماد: ما الدليل على هذا ؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من قبره ليغيث أمته . محب: الدليل قول الله تعالى: ] ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [ ( المؤمنون: 15-16 ) وثم للتعقيب أي أننا نموت وبعدها نبعث من غير فصل ، والخطاب عام فيشمل المرسلين وغيرهم . وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه كان يقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي: « ما لي أراك منكسرًا ؟ فقلت: يا رسول الله ! استشهد أبي وترك عيالًا وديْنًا ، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قلت: بلى يا رسول الله ! قال: ما كلم الله أحدًا قط إلا من