وهو أعلى الدرجات وأعزها ، الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور فإن هذه الأمور مباديء ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من نال حقيقتها ، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقًا فيه ، كما يقال: فلان صدق القتال ، ويقال: هذا هو الخوف الصادق وهذه هي الشهوة الصادقة... وقال الله تعالى: (( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) )إلى قوله (( أولئك هم الصادقون ) ) [الحجرات:15] وقال: (( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) )إلى قوله: (( أولئك الذين صدقوا ) ) [البقرة:177] .
من علامات الصدق:
إن للصدق علامات ومظاهر تنفي ضدها ، وإذا لم توجد أو كانت ضعيفة فإن ذلك دليل على ضعف الصدق ، وتسلط العوائق عليه ، ومن هذه العلامات ما يلي:
1-طمأنينة القلب واستقراره:
إن الصدق في جميع الأحوال باطنها وظاهرها يورث الطمأنينة والسكينة في القلب ، وينفي عنه التردد والريبة والاضطراب التي لا توجد إلا في حالات الشك وضعف الصدق أو عدمه ، يقول صلى الله عليه وسلم: »دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة« (5) .
2-الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله عز وجل:
ومن علامة طمأنينة القلب النابعة من الصدق انشراحه وزهده في الدنيا والتأهب للآخرة ، قال تعالى: (( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاْ كأنما يصعد في السماء ) ) [الأنعام:125] ، لما نزلت هذه الآية سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن شرح الصدر فقال: »نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح«،قيل فهل لذلك أمارة؟ قال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور،والاستعداد للموت قبل نزول الموت« (6) .
فالصادق مع الله عز وجل لا تراه إلا متأهبًا للقاء ربه ، مستعدًا لذلك بالأعمال الصالحة ، والقيام بأوامر الله عز وجل والانتهاء عن نواهيه ، يريد بذلك وجه الله عز وجل متبعًا في ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم .
3-سلامة القلب:
إن من علامة الصدق سلامة القلب ، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين ، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يحمل في قلبه غلًا للمؤمنين ولا شرًا، بل إن حب الخير والنصح للمسلمين هو طبعه وعادته ، وهذه الحالة القلبية تظهر علاماتها على الأعمال ، وذلك بتجنب الظلم والعدوان والاستطالة على الأعراض ، والحرص على العدل والقسط مع الناس ، والانطلاق بما في الوسع لقضاء حاجات المسلمين وإغاثة ملهوفهم ودفع الظلم عنهم والحزن على مصابهم والفرح لفرحهم. إن كل