بمجموعها الهدف الأسمى والغرض الأوحد الذي جاء الإسلام لتحقيقه: وهو تحقيق العبودية الحقة لله ـ تعالى ـ، ويُتوصل بذلك إلى تحقيقه ونيله، قال ـ تعالى ـ: (( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات: 56] .
بعد تأمل للكيفية التي انتهجها المنهج الإسلامي فيما يتعلق بالأهداف، تمكنت من لمس الخطوات التي نفذها هذا المنهج لتفعيل دور الأهداف والإفادة منها، وهي متمثلة ـ بحسب اجتهادي ـ فيما يلي:
أولًا: تحديد الأهداف بدءًا؛ وذلك بكل دقة ووضوح:
نقرأ في القرآن الكريم أنه خاطب رسولنا الأمين-صلى الله عليه وسلم- ـ في أول آياته نزولًا (2) ـ بأن يقوم عازمًا، وينهض راشدًا، ويسير ثابتًا واثقًا صابرًا، مزيلًا اللحاف والدثار ليحقق أهدافًا شاملة عظيمة: (( يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ )) [المدثر:1-6] ، ثم توالت بعد ذلك آي القرآن العظيم لتبين هذه الأهداف وتفسرها وتكملها وتفضلها، فهدف العلم محدد بقوله ـ تعالى ـ: (( اقْرًا بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ ) ) [العلق:1] ، وهدف التحلي بجميل الخلق وعاطر المعاملة وحسن السلوك بقوله ـ تعالى ـ: (( وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) [القلم:4] ، وقوله ـ تعالى ـ: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ) ) [آل عمران:159] ، وهدف التماس الحكمة في الدعوة بقوله ـ تعالى ـ (( ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) [النحل:125] .
وهدف الثبات بقوله ـ تعالى ـ: (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يًَاتِيَكَ اليَقِينُ ) ) [الحجر: 99]
وهدف الانتماء للدين وأهله بقوله ـ تعالى ـ: (( اللَّهُ وَلِيُّ الَذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) [البقرة:257] ، وقوله ـ تعالى ـ: (( لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [الأنعام:127] ، وغير ذلك من الأهداف التي ناسب تقريرها في المجتمع المكي الذي كان يمر بظروف بداياته، ويتطلب التركيز على قضايا محددة.
ولقد أكد القرآن الكريم على أكثر الأهداف حتى بعد انتقال الجماعة المؤمنة من طور التأسيس العقدي والإيماني (مكة) إلى عهد البناء الشامل المتكامل (المدينة) ؛ لأنها أهداف متناسقة متكاملة، بيد أنه قرر أهدافًا أخرى، تستطيع الجماعة المؤمنة من خلالها أن تقيم البناء الإسلامي الحضاري الشامل، فمن ذلك ما قرره القرآن بقوله ـ تعالى ـ: (( وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ) [التوبة: 122] لقد دفع القرآن الكريم الأفواج المؤمنة لاقتحام مجالات الجهاد المتعددة وطرق أبوابه المتنوعة.
ثانيًا: ربط الحياة بهذه الأهداف: