وأما الشبهة الثالثة، ومفادها أن ظاهر الحديث يقضي بأن كلاًّ منهما لم يحكما ببيِّنة، فداودعليه سلامقد قضى به للكبرى، من غير دليل، وكذا فعل سليمانعليه سلامحيث قضى به للصغيرة، لمجرد إظهارها الخوف على الطفل، فكيف يحكمان من غير بيّنة؟
فالجواب أن يقال: إن كلاًّ منهما إنما حكم بما توفّر له من قرائن، أما الكبيرة فلعلّه قد ظهر منها ما يرجّح كونه ابنها، أو كان الولد في يدها، وهذا كافٍ ابتداءً في ادعاء المِلك، والظاهر أن الصغيرة لم تكن صاحبة بيان، فلم تقدر أن تخلّص ابنها من الكبيرة، وقال بعضهم: إن الحكم للكبيرة هو الذي كان مستقراً بشريعة داودعليه سلام، ورُدَّ بكونه وصفاً غير مؤثِّرٍ في الحكم، وسيأتي ذكر ذلك، لكن قبله لا بد من الإشارة إلى أن أي نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام قد يحكم بالظاهر، وقد لا يوافق حكمه الصواب، وقد بيّن النبيصذلك حينما قال: إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها [751] .
أ