الصفحة 11 من 330

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا: والوعد بمعنى الموعود، مراد به العقاب، وفي الكلام تقدير، أي فإذا حان وقت حلول العقاب الموعود، وقيل الوعد بمعنى الوعيد، وفيه تقدير أيضا، وقيل بمعنى الوعد الذي يراد به الوقت، أي فإذا حان موعد عقاب أولى الإفسادتين.

بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا: البعث بالتخلية وعدم المنع (البيضاوي) ، وقال الزمخشري:"خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم وفيه دسيسة اعتزال"، وقال ابن عطية:"يحتمل أن يكون الله تعالى، أرسل إلى ملك أولئك العباد رسولا، يأمره بغزو بني إسرائيل، فتكون البعثة بأمر منه تعالى".

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: ذوي قوة وبطش في الحروب، والبأس والبأساء في النكاية، ومن هنا قيل، إن وصف البأس بالشديد مبالغة.

فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ: قال الجوهري"الجوس مصدر، وقولك جاسوا خلال الديار، أى تخللوها كما يجوس الرجل للأخبار أى يطلبها"، أي عاثوا وافسدوا وقتلوا وتخللوا الأزقة بلغة جذام، بمعنى الغلبة والدخول قهرا، وقال الزجاج:"طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي احد لم يقتلوه"، والجوس طلب الشيء باستقصاء، وقال الألوسي:"والجمهور على أن في هذه البعثة، خرب هؤلاء العباد بيت المقدس، ووقع القتل الذريع والجلاء والأسر في بني إسرائيل، وحرقت التوراة".

وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا: قضاء كائنا لا خلف فيه، وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل، أي لا بد من كونه، مقضيا أي مفروغ منه.

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ: ثم للعطف، وتفيد التراخي في الزمن، يقول الألوسي"جعل رَدَدَنا، موضع نَرُدُّ، فعبر عن المستقبل بالماضي"، ويُضيف في تفسير قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) ، أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون بعد البعث والجزاء"، وهذه الكرة بعد الجلوة الأولى، أي الرجعة والدولة والغلبة، على الذين بُعثوا عليكم."

وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ: أعطاهم الله الأموال والأولاد.

وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا: والنفير أي القوم الذين يجتمعون، ليصيروا إلى أعدائهم فيحاربوهم، وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو، أي أكثر رجالا من عدوكم، والنفير من ينفر مع الرجل من عشيرته.

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا: وهذا الخطاب قيل أنه لبني إسرائيل الملابثين، لما ذكر في هذه الآيات، وقيل لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومعناه إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك، وأن إحسان الأعمال وإساءتها مختص بهم، والآية تضمنت ذلك، وفيها من الترغيب بالإحسان، والترهيب من الإساءة، ما لا يخفى فتأمل.

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ: أى حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة، وجواب إذا محذوف تقديره بعثناهم لدلالة جواب إذا الأولى عليه، فالظاهر فإذا جاء وإذا جاء للدلالة، على أن مجيء وعد عقاب المرة الآخرة، لم يتراخ عن كثرتهم واجتماعهم، دلالة على شدة شكيمتهم في كفران النعم، وأنهم كلما ازدادوا عددا وعدة، زادوا عدوانا وعزة، إلى أن تكاملت أسباب الثروة والكثرة، فاجأهم الله عز وجل على الغرّة، نعوذ بالله سبحانه من مباغتة عذابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت