لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ: اللام لام كي، وليسوءوا متعلق بفعل حُذف لدلالة ما سبق عليه، وهو جواب إذا، أي بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، أي ليجعل العباد المبعوثون، آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم، إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن.
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ: اللام لام كي، والضمير للعباد أولى البأس الشديد، والمسجد مسجد بيت المقدس، قال الألوسي:"فإن المراد به بيت المقدس، وداود عليه السلام ابتدأ بنيانه، بعد قتل جالوت وإيتائه النبوة، ولم يتمّه، وأتمّه سليمان عليه السلام، فلم يكن قبل داود عليه السلام مسجد حتى يدخلوه أول مرة، ودفع بأن حقيقة المسجد الأرض لا البناء، أو يحمل قوله تعالى دخلوه على الاستخدام، والحق أن المسجد كان موجودا، قبل داود عليه السلام كما قدمنا".
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ: كما دخلوه أي دخولا كائنا، كدخولهم إياه أول مرة، قال الألوسي:"والمراد من التشبيه أنهم يدخلونه بالسيف والقهر والغلبة والإذلال، وفيه أيضا أن هذا يبعد قول، من ذهب إلى أن أولى المرتين، لم يكن فيها قتال ولا قتل ولا نهب".
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا: أي ليدمروا ويخربوا والتبار الهلاك، وليتبروا أي يدمّروا ويهلكوا ما غلبوا عليه من بلادكم، أو مدة علوهم، أي ما علوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد، وقيل ما ظرفية والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد، تتبيرا أي تدميرا، ذُكرَ المصدر إزالة للشك وتحقيقا للخبر، ما علوا مفعول لتبروا، أي ليُهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، أو بمعنى مدة علوهم.
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ: لبقية بني إسرائيل عسى ربكم، إن أطعتم في أنفسكم واستقمتم أن يرحمكم، وهذه العودة ليست برجوع دولة، وإنما هي بأن يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد عليهما السلام.
(ذلك لأن المتقدمين من المفسرين اعتبروا أن تحصّل المرتين، كان قبل بعثهما عليهما السلام) .
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا: وإن عدتم للإفساد بعد الذي تقدم، عدنا عليكم بالعقوبة فعاقبناكم في الدنيا، بمثل ما عاقبناكم به في المرتين.
وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا: أي محبوسون في جهنم لا يتخلصون منها.
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ: أي إلى الطريقة التي هي أصوب، وقيل الكلمة التي هي أعدل.
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا: أي يُبشّر بما اشتمل عليه من الوعد بالخير، آجلا وعاجلا للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويراد بالتبشير مطلق الإخبار، أو يكون المراد منه معناه الحقيقي، ويكون الكلام مشتملا على تبشير المؤمنين ببشارتين، الأولى ما لهم من الثواب، والثانية ما لأعدائهم من العقاب.
وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)
وهو عذاب جهنم، أي أعددنا وهيأنا لهم، فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة، عذابا مؤلما وهو أبلغ من الزجر، لما أن إتيان العذاب من حيث لا يحتسب أفظع وأفجع، ولعل أهل الكتاب داخلون في هذا الحكم، لأنهم لا يقولون بالجزاء الجسماني، ويعتقدون في الآخرة أشياء لا أصل لها، فلم يؤمنوا بالآخرة وأحكامها المشروحة، في هذا القرآن حقيقة الإيمان، والعطف على أن لهم أجرا كبيرا، فيكون إعداد العذاب الأليم، للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به، كثبوت الأجر الكبير للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، ومصيبة العدو سرور يُبشّر به، فكأنه قيل يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب أعدائهم، ويجوز أن تكون البشارة مجازا مرسلا، بمعنى مطلق الأخبار الشامل للأخبار بما فيه سرور للمؤمنين.