الصفحة 230 من 330

عشر سنوات قادمة، فعقّب سبحانه وتعالى على ذلك قائلا (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ... ) ، والذي كان يعلمه رب العزة مسبقا، هو أنهم سيؤدون العمرة في العام التالي، وأن هذا الصلح، الذي استاءوا من عقده مع مشركي قريش، وأضفى عليهم شعورا باليأس والإحباط، سيكون هو نفسه، سببا ومبررا لفتح مكة، عند نقضه من قبل قريش بعد سنتين من إبرامه، فعقّب بقوله ( ... فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا(27 الفتح) .

حتى أكثر المسلمين إيمانا ويقينا وتفاؤلا، لم يكن يتصور، لحظة منعهم من أداء العمرة وإبرام الصلح، بأن فتح مكة سيكون بعد سنتين فقط، من تاريخ تلك اللحظة، وبتلك الصورة الاحتفالية والمشرّفة، لتكون تأدية فريضتي الحج والعمرة، متاحة لهم في أي وقت شاءوا.

وبالنظر لواقع المسلمين في غزوة الأحزاب، وهم قلة، وقريش وقبائل الجزيرة بمشركيها ويهودها، يتربصون بهم ريب المنون، من الداخل والخارج، هل كان ممن المكن أن يتصور أن هذه الحال، ستنقلب رأسا على عقب، بعد ثلاث سنوات، فيغزو المسلمين مكة بعشرة آلاف مقاتل؟

وبالرغم من اختلاف طبيعة الوعود الإلهية، من حيث الثواب والعقاب، إلا أننا نتحدّث هنا عن الوعد بحد ذاته، لنقول بأن الوعد الإلهي، لا يحدّه زمان ولا مكان ولا واقع، ولا ننسى بأن وعد الآخرة، هو وعد بعقاب اليهود في المقام الأول.

قال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى، لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(53 العنكبوت) ، وقال (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ، لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يَأُولِي الْأَبْصَارِ(2 الحشر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت