الصفحة 239 من 330

1.جاء النص القرآني، بفعل ماض مبني للمجهول، فأظهر المغلوب ولم يظهر الغالب.

2.وأضاف نبأ جديدا، وهو غلبة الروم مستقبلا، لمن غلبهم في الماضي.

3.وحدّد فترة زمنية لتحقّق ذلك ببضع سنين.

4.وأفاد بأن المؤمنين سيفرحون عند تحقّق هذا الأمر.

5.وأكدّ على أنه وعد من الله، وأن الله لا يُخلف وعده.

6.وعقّب بقوله (ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون) ، مما يكون من أمر الله.

7.وأما ما يعلمه الناس، فهو ظاهر الحياة الدنيا، أي الواقع الذي يستشعرونه بحواسهم فقط.

8.أما أمر الغيبيات، التي أخبر عنها سبحانه في كتابه، ومنها الحياة الآخرة فهم عنها غافلون.

فلو قلنا بأن هذه النبوءة تقول: بأن الروم سيهزمون الفرس في فترة زمنية، تتراوح ما بين [3 - 9] سنوات، سيقول من لم يعلم بظروف هذه النبوءة، ولم يعلم التاريخ، ولم يعلم أن البضع في لغة العرب يساوي (3 - 9) ، أن هذا النص غير مكتوب في القرآن، فكيف عرفت أن الذين سيُهزمون هم الفرس؟ وأن ذلك سيتم في فترة، لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد عن 9 سنوات؟

نلاحظ أن هذه النبوءة كانت واضحة بالنسبة للمسلمين، من حيث من سيغلب من، ولكن زمن التحقّق جاء فضفاضا، إذ لم يشأ سبحانه مع علمه، الكشف عن الزمن بشكل دقيق، ولكنه أعطى فترة زمنية على مدى 6 سنوات تقريبا، ليترك المجال لجريان الأسباب والمسبّبات، التي من شأنها أن تترجم النبوءة على أرض الواقع، دون تعطيل من البشر، من جرّاء العلم المسبق بحيثياتها.

ولو تمعنّا في التعقيب الأخير في الآية (7) ، الذي جاء فيها على مجمل، ما أخبر عنه سبحانه في الآيات السابقة لها، ستجد أن هناك حكمة إلهية، من الإخبار عن شأن هذا الحدث المستقبلي. ألا وهي زفّ البشرى للمؤمنين، بحتمية النصر مستقبلا، فكما تحقّقت هذه النبوءة وهذا الوعد، على أرض الواقع، فسيُنجز الله كل ما وعد به في كتابه الكريم، ليزداد المؤمنون إيمانا ويقينا، بصدق كل ما حواه هذا الكتاب، من شأن الدنيا والآخرة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وصدق من أنزله، وصدق وأمانة من أُرسل به، هدى ورحمة للعالمين.

وتراوحت غايات الإخبار عن أنباء المستقبل، ما بين البشارة والنذارة، وأهم الأنباء المستقبلية، التي يريد رب العزة أن يتيقن منها الناس، هي اليوم الآخر، بما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب، وهذه الحقيقة تكاد لا تخلو أي من سور القرآن، من ذكرها والتذكير بها، إذ أن مؤدى إنكار اليوم الآخر، حتى ولو قُرن مع الإيمان بالله، هو عبث وعبثية، ليُصبح إحسان الإنسان، مرتبط بما يتحصّل عليه من مكاسب دنيوية فقط، وبذلك يفسد الناس وتفسد الأرض، فيحل بهم الهلاك، ولذلك عقّب سبحانه، بعد الإخبار عن هذه النبوءة بقوله ( ... وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7 الروم) .

وقد جاءت أخبار النبوءات المستقبلية في القرآن والسنّة مسبقا، لتتحقّق في أزمان يكون المؤمنين فيها، بأمس الحاجة لما يقوي إيمانهم، ويُثبّتهم على دينهم، ويشدّ من أزرهم، في مواجهة أهل الكفر والفسوق والعصيان، كما هو الحال مع النبوءة السابقة. وجاءت أيضا لتتحقّق في أزمان يكاد فيها الإيمان، أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، لتُعيد له الحياة في قلوب أصحابه، ولينفضوا ما علق بأرواحهم، وما أغشى أبصارهم وبصائرهم، من رماد هذه الدنيا، التي أوشكت على الفناء. فإذا ما عاصر الناس، تحقّق نبوءة على أرض الواقع، مما أخبر به القرآن، أثبت هذا القرآن للناس، بشكل قاطع وملموس محسوس، بأنه من لدن حكيم عليم، عالم للغيب والشهادة، وأن لا بد للناس من المثول بين يديه، فالموت ليس نهاية المطاف، بل هو بداية رحلة لا نهاية لها، من الشقاء أو من السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت