ونحن في تحليلنا نُفرّق بين نمطين من الأحداث، الأول له أسبابه المحلية الظاهرة، ومثل ذلك اختطاف الطائرة بالسكين، وسقوط المدارس، وما سبقه من تصادم القطارات، وتهاوي ركابها فوق القضبان، فمثل هذه الأحداث، كوارث داخلية في أسبابها ومغازيها، فهي تكشف عن مدى الانحطاط، الذي بلغه جهازنا الإداري، الذي لا يعرف كيف يُنظم العمل،، ولا كيف تتم الصيانة والمتابعة، والذي أصبح لا يعرف العقاب الفوري، للمهمل والفاسد. ويتفرّع عن هذا، كل ما يُعانيه المواطن، من ظلم وإذلال، لدى تعامله مع أية مصلحة حكومية.
إلا أنني أُركّز هنا على النمط الثاني، من المصائب التي اجتاحتنا، والذي يتمثّل في السحابة السوداء، وفي سقوط الطائرة في المياه الأمريكية، وسأضيف أيضا، التهديد باستقلال جنوب السودان.
لغز السحابة السوداء:
بالنسبة للسحابة السوداء، مؤكد أن هناك إجماعا، على رفض التفسير الرسمي المعلن، بحكاية مقالب الزبالة، وحرق قش الأرز وما شابه ... طبعا لو صحّ التفسير، لكان سببا إضافيا لعزل (يوسف والي) !! ولكننا لا نصدّق مثل غيرنا هذا التفسير، المتهافت والمهين للعقول، ونحن لا نتسقّط أسبابا، لعزل (والي) ، فوالي مش ناقص، والاتهامات الأخرى الثابتة في حقه، تكفي وزيادة، للإطاحة به ومحاكمته.
ولكن مع الرفض الجماعي، لإعلان الحكومة عن حكاية قش الأرز، حاول الناس أن يتوصلوا بمعرفتهم، للأسباب الأكثر احتمالا ومنطقية، لحكاية السحابة السوداء، وفي سعيهم هذا، حاولوا أن يرصدوا أي تغيّر جديد، يربطونه بنشوء هذه الظاهرة، المفاجئة وغير المألوفة، فلم يجدوا أمامهم إلا مناورات النجم الساطع، وانتشر بين الناس أنها السبب، وهذا التفسير للظاهرة العجيبة والمؤذية، يُعبّر في تقديري عن اتجاه سليم في التحليل، فهو من ناحية يعكس وعيا شعبيا عميقا، في التعامل مع الحلف الصهيوني الأمريكي، على أمننا ووجودنا ... ومن جهة أخرى، فقد خمّن الناس، أن لجوء الحكومة إلى كذبة مفضوحة وسخيفة، يُخفي حرجها من إعلان السبب الحقيقي، لمأساة السحابة السوداء، فتأكد عندهم، أن مناورات النجم الساطع، قد تكون السبب، المُثير للحرج.
وقد ذكرت، أن ما وصل إليه جمهور الناس وخاصتهم، يُعتبر تحليلا في الاتجاه الصحيح، ولكن قد لا تكون مناورات النجم الساطع، بالذات مسؤولة، وبشكل مباشر عن هذه الظاهرة، إذن كيف حدثت؟ لا أستبعد أن تكون الحكومة عاجزة مثلنا، عن الإمساك وبالدليل، بالسبب الحقيقي لمصيبة السحابة السوداء، ولا غرابة في قولي هذا، فمن الثابت الآن، أن ترسانة الأعداء، في مجال الحرب البيولوجية والكيمائية، فيها الكثير من الطلاسم والأسرار، التي يصعب فهم كنهها، وفيها تنويع هائل، فبعضها يُمكن أن يقتل، والبعض الآخر يُمكنه الإيذاء، دون القتل، وحسب الدرجة المطلوبة ... ، وفي كل الأحوال، فإن الميزة العظمى لهذه الأسلحة السرية، أنها تُحدث فعلها المدمر، دون أن تتمكن الضحية، من معرفة السبب أو من التثبت، من نوع الوسائل، التي حملت إليها أسلحة القتل والإيذاء.
(ويسهب الكاتب قليلا، في الحديث عن الأسلحة السرية، ويضرب قصة المحاولة الإسرائيلية الفاشلة، لاغتيال خالد مشغل، واستخدام اليورانيوم المستنفذ في العراق ويوغسلافيا، ومنتجات الهندسة الوراثية في الأغذية، ومن ثم يختم كل ذلك بقوله) :
في إطار ما سبق، لم لا تكون سحابتنا الغامضة، ضمن وسائل الحرب السرية؟! ولا يعني هذا، أن ما جرى كان بالضرورة، في إطار أسلحة الإبادة الشاملة، فقد ذكرت أن أسلحتهم، أصبح فيها درجات متصاعدة من الإيذاء، الذي قد لا يصل في كل الحالات إلى القتل.