ولكن ماذا عن إساءة مشاعر المسلمين، وماذا عن الإساءة لكتاب الله، وماذا عن الإساءة لرسول الله، وماذا عن الاجتراء على الله، لقد رُفعت قضايا ضد من قاموا بذلك، ولكن هل اتخذت تلك المحكمة قرارا مشابها ... ؟ ! نعم .. لقد أخذت الحكومة المصرية قرارا، ولكن بإغلاق الصحف التي دافعت عن مقدسات الأمة، بدعوى الإرهاب الفكري للمبدعين، الذين انهالوا على الإسلام ليحطموا أوثانه وأصنامه، التي ألفوا آباءهم وأجدادهم عليها عاكفين، منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ... !!
ما يلفت الانتباه إلى أن أقباط مصر، غضبوا لدينهم بشكل جماعي، وهم أقلية في مصر، ومن حق الإنسان، بل واجب عليه أن يغضب، ولا يكون الغضب محمودا إلا في هذا الموقف، ولكن هل غضب المسلمون في مصر، عندما انتهكت، وما زالت، مقدّساتهم الدينية جملا وتفصيلا.
يقول د. محمد عباس:"كانت الأمة تغلي بالغضب، وكان قلبها متمثلا، في طلبة جامعة الأزهر، حيث تظاهر 25 ألف طالب، وكانت الدولة مترددة، حتى حسمت أمرها بإطلاق الرصاص، على قلب الأمة، على طلبة جامعة الأزهر". ويقول:"كان موقف شيوخ الأزهر وطلبته رائعا، فقد أصدر 70 عالما أزهريا بيانا".
رائعا، لكونهم أصدروا بيانا، ولكن ما شاهدناه على شاشة التلفزيون هو مظاهرة، تضم بضعة عشرات من فتيات الأزهر، وأدتها الشرطة المصرية، من قبل أن تبدأ، حسبما جاء في النشرات الإخبارية، وما نود أن نُشير إليه هنا، أن الأمة المصرية، لم تُحرك ساكنا، فهي منشغلة بدنياها، من رأسها حتى أخمص قدمها، لتستمر المعركة على صفحات الصحف من قبل القلة، من أبناء الذين انتصروا لدينهم، وخذلتهم أمتهم وخذلت دينها، قبل أن تخذلهم حكومتهم، وما نسبة 25 ألف طالب، مما يزيد عن 50 مليون مسلم في مصر ... ؟!
وهذا الوضع المؤسف والمأسوي في مصر، الذي حاول د. محمد عباس تجميله، والذي يبعث الأسى والحزن في قلب كل مسلم، هو ما تستشعره في ثنايا مقالات وبيانات، د. محمد عباس نفسه، وهو ينادي في أمته، فلا سامع ولا مجيب، مما اضطره للاستنجاد بالأزهر وطلبته والمفتي والقرضاوي، بعد أن وجد نفسه وحيدا محاصرا، بين فكيّ كماشة إعلام الكفر والضلالة، وجبروت فرعون وسطوته، فاستجابوا له بعد حين.
فلماذا انتصرت الحكومة، لنصارى مصر وحاربت مسلميها؟! أليس لأنهم يخشون الناس، من نصارى الغرب، كخشية الله أو أشد خشية، نعم .. هذا هو الشرك بعينه، لذلك اعتقد بعض المفسّرون القدماء، أن المقصود في الآيات هم مشركي قريش، ظنا منهم أن الشرك، ولّى من غير رجعة.
نعم .. إنهم يشكّون بربوبية الله وألوهيته، ولا يدينون له بالعبادة، ويشكّون في قدرته على نصر أوليائه، والانتقام من خصومه، ويُضاف إلى شركهم صفة أخرى، هي النفاق، وهو ما لم ينتبه إليه، من ذهبوا إلى ذلك القول من المُفسّرين، فمشركو قريش أخذتهم العزة بالإثم، فلا حاجة بهم ليُنافقوا رسول الله وصحبه، ولم يُعطوا الدنية في معتقدهم بالرغم من بطلانه، حتى فُتحت مكة ودخلوا في الإسلام، وما ظهر النفاق إلا في المدينة.
وفي خضم هذه الموجة، ومع ضعف نور الإسلام، وأفول شمسه، سيتحول النفاق قريبا، إلى كفر بواح، فلن يكون هناك داعيا للخجل. حينها ستكون بطشة ربك الكبرى، على الأبواب، ويكون أهل مصر قد أعذروا الله في أنفسهم، بما كسبت أيديهم، وبما سكتوا عن الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، لنعود إلى قوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59 القصص) ، ورحمة من ربك، بعث رسله الكرام، مبشرين بعظم ثواب الدنيا والآخرة، ومنذرين من بأسه الشديد في الدنيا والآخرة، ورحمة بأهل مصر، ها قد أنذرهم بالدخان، حتى يوقظهم من غفلتهم لعلهم