فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 130

والتفاوت في بني الإنسان أكثر منه في جميع الفصائل والأنواع الأخرى من الحيوان وغيره، حتى جاء في الحديث عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِنْ أَلْفٍ مِثْلِهِ إِلا الإِنْسَانَ. [1] .

ومن قرأ سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - علم أن عنايته كانت بالنوع لا بالكم، ومن قرأ سير أصحابه وخلفائه رأى ذلك بجلاء ووضوح أيضًا.العناية إذن يجب أن تتجه إلى الكيف والنوع لا مجرد الكم، والمقصود بـ"الكم"هنا: كل ما يعبر عن مقدار الجانب المادي وحده، من كثرة العدد، أو سعة المساحة، أو كبر الحجم، أو ثقل الوزن، أو طول المدة، أو غير ذلك مما يدخل في هذا المجال.وما قلناه في كثرة العدد نقوله في الأمور الأخرى، فالإنسان مثلًا لا يقاس بطول قامته أوقوة عضلاته أو ضخامة جسمه أو جمال صورته، فهذه كلها خارجة عن جوهره وحقيقة إنسانيته.

عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"لَيَأْتِيَنَّ الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ"ثُمَّ قَرَأَ: { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } [الكهف: 105] .متفق عليه [2] .

وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، كَانَ يَحْتَزُّ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ، وَكَانَ فِي سَاقَيْهِ دِقَّةٌ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يُضْحِكُكُمْ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ [3] ..

وليس معنى هذا: أن الإسلام لا يقيم وزنًا لصحة الجسم وقوته.كلا، فهو يهتم بذلك غاية الاهتمام، ففي الصحيح عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَأَيْنَهَا سَيِّئَةَ الْهَيْئَةِ، فَقُلْنَ: مَا لَكِ، مَا فِي قُرَيْشٍ رَجُلٌ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ، قَالَتْ: مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ ؟ أَمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقَالَ: يَا عُثْمَانُ، أَمَا لَكَ فِي أُسْوَةٍ ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ

(1) - الفوائد لتمام 414 - (2 / 29) (973) حسن

(2) - صحيح البخارى- المكنز - (4729) وصحيح مسلم- المكنز - (7222 )

(3) - صحيح ابن حبان - (15 / 546) (7069) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت