-وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس عندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة اليوم بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي للحياة الإسلامية.فإذا أردنا أن نقيم"مجتمعًا إسلاميًا حقيقيًا"فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرّة قلم، أو بقرار من ملك أو رئيس أو مجلس قيادة أو برلمان ! وإنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، وذلك بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة.
-لا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ، واتخاذ كلمة التدرج تكأة لتمويت الدعوة إلى دين الله، لا بل التدرج الواعي المخطط له، وهوالمنهج الذي سلكه النبي - صلى الله عليه وسلم - لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية.
-وكما عبر عنه عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه خامس الخلفاء الراشدين - فقد أراد أن يعود بالحياة إلى هدي الخلفاء الأربعة، لكن بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه، وكان له ابن يقال له: عبد الملك، فيه فتوّة، وحماس، وحيوية وتقى، فأنكر على أبيه البطء، وعدم الإسراع في إزالة كل بقايا الانحراف والمظالم، حتى تعود الحياة إلى سيرتها الأولى أيّام الراشدين، إذ قال له يوما: مالك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي، لو أن القدور غلت بي وبك في الحق.
فكان جواب الأب الفقيه: لا تعجل يا بني، فإن الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة...إلخ [1] يريد الخليفة الراشد أن يعالج الأمور بحكمة وتدرج، مهتديًا بسنة الله - تعالى - في تحريم الخمر، فهو يجرعهم الحق جرعة جرعة، ويمضي بهم إلى المنهج المنشود خطوة خطوة، وهذا هو الفقه الصحيح.
(1) -انظر: الموافقات للشاطبي 2/ 94 طبعة داار المعرفة بيروت .وآفات على الطريق كامل - (1 / 15) ونحوه في"سيرة عمر بن عبد العزيز""60"لابن عبد الحكم