المبحث الثاني
ارتباط فقه الأولويات بغيره من أنواع الفقه
يرتبط فقه الأولويات بأنواع أخرى من أنوع الفقه: منها:
ومنها:
أ - الموازنات بين المصالح بعضها ببعض، فقد رأينا في صلح الحديبية مثلًا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - - يُغَلٍّب المصالح الجوهرية والأساسية والمستقبلية على المصالح والاعتبارات الشكلية التي يتشبث بها بعض الناس، فقبل من الشروط ما قد يُظَنّ - لأول وهلة - أن فيه إجحافًا بالجماعة المسلمة أو رضا بالدون ورضي - عليه الصلاة والسلام - أن تحذف البسملة المعهودة من وثيقة الصلح، ويكتب بدلها: باسمك اللهم، ورضي أن يحذف وصف الرسالة الملاصق لاسمه الكريم: محمد رسول الله، ويُكتَفى باسم محمد بن عبد الله، وذلك ليكسب من وراء ذلك الهدنة التي يتفرغ فيها لنشر الدعوة ومخاطبة ملوك العالم، ولا غرو ولا عجب أن سماها القرآن:"فتحًا مبينًا"..
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لاَ نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لاَتَّبَعْنَاكَ وَلَمْ نُكَذِّبْكَ اكْتُبْ بِنَسَبِكَ مِنْ أَبِيكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَكَتَبَ: مَنْ أَتَى مِنْكُمْ رَدَدْنَاهُ عَلَيْكُمْ وَمَنْ أَتَى مِنَّا تَرَكْنَاهُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ نُعْطِيهِمْ هَذَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ أَتَاهُمْ مِنَّا، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَتَانَا مِنْهُمْ، فَرَدَدْنَاهُ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ، فَرَجًا، وَمَخْرَجًا [1] .
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (2731 و2732) وصحيح ابن حبان - (11 / 214) (4870)