فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 130

وقال بعض المشككين الذين يهدفون إلى البلبلة والحيرة..هذا القول أو ما يشبهه يريدون أن ينشروا في النفوس قلة الثقة في أسباب التشريع، أو الشعور بضياع إيمان من ماتوا والخمر لم تحرم وهي رجس من عمل الشيطان، ماتوا والرجس في بطونهم! عندئذ نزلت هذه الآية: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ..نزلت لتقرر أولا أن ما لم يحرّم لا يحرم وأن التحريم يبدأ من النص لا قبله وأنه لا يحرم بأثر رجعي فلا عقوبة إلا بنص سواء في الدنيا أو في الآخرة لأن النص هو الذي ينشئ الحكم..والذين ماتوا والخمر في بطونهم، وهي لم تحرم بعد، ليس عليهم جناح فإنهم لم يتناولوا محرما ولم يرتكبوا معصية..لقد كانوا يخافون اللّه ويعملون الصالحات ويراقبون اللّه ويعلمون أنه مطلع على نواياهم وأعمالهم..ومن كانت هذه حاله لا يتناول محرما ولا يرتكب معصية.

ولا نريد أن ندخل بهذه المناسبة في الجدل الذي أثاره المعتزلة حول الحكم بأن الخمر رجس: هل هو ناشئ عن أمر الشارع - سبحانه - بتحريمها، أم إنه ناشئ عن صفة ملازمة للخمر في ذاتها.وهل المحرمات محرمات لصفة ملازمة لها، أم إن هذه الصفة تلزمها من التحريم..فهو جدل عقيم في نظرنا وغريب على الحس الإسلامي!..واللّه حين يحرم شيئا يعلم - سبحانه - لم حرمه.سواء ذكر سبب التحريم أو لم يذكر.وسواء كان التحريم لصفة ثابتة في المحرم، أو لعلة تتعلق بمن يتناوله من ناحية ذاته، أو من ناحية مصلحة الجماعة..

فاللّه سبحانه هو الذي يعلم الأمر كله والطاعة لأمره واجبة، والجدل بعد ذلك لا يمثل حاجة واقعية.والواقعية هي طابع هذا المنهج الرباني..ولا يقولن أحد: إذا كان التحريم لصفة ثابتة في المحرم فكيف أبيح إذن قبل تحريمه!! فلا بد أن للّه - سبحانه - حكمة في تركه فترة بلا تحريم.ومرد الأمر كله إلى اللّه.وهذا مقتضى ألوهيته - سبحانه - واستحسان الإنسان أو استقباحه ليس هو الحكم في الأمر وما يراه علة قد لا يكون هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت