ومن يخالف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بعد ما ظهر له الحق، ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين، وما هم عليه من الحق، نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير، وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها، وبئس هذا المرجع والمآل.
فأما من لم يتبين له الهدى بأن لم تبلغه الدعوة أصلًا، أو بلغته بلوغًا مشوَّهًا لا يحمل على النظر والبحث فيها، فهو معذور، وقد قال الله - تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (15) سورة الإسراء.
أي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة.
وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه.
واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم [1] .
فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها.وما من نفس تحمل وزر أخرى، وما من أحد يخفف حمل أحد.إنما يسأل كل عن عمله، ويجزى كل بعمله ولا يسأل حميم حميما..
وقد شاءت رحمة اللّه ألا يأخذ الإنسان بالآيات الكونية المبثوثة في صفحات الوجود، وألا يأخذه بعهد الفطرة الذي أخذه على بني آدم في ظهور آبائهم، إنما يرسل إليهم الرسل منذرين ومذكرين: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» وهي رحمة من اللّه أن يعذر إلى العباد قبل أن يأخذهم بالعذاب [2] .
(1) - تفسير السعدي - (1 / 455)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2217)