فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 129

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء] ، {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر] يَتَصَدَّقُ امْرُؤٌ مِنْ دِينَارِهِ،وَمِنْ دِرْهَمِهِ،وَمِنْ ثَوْبِهِ،وَمِنْ صَاعِ بُرِّهِ،وَمِنْ صَاعِ شَعِيرِهِ،حَتَّى ذَكَرَ شِقَّ تَمْرَةٍ،فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ تَعْجِزُ كَفَاهُ،بَلْ قَدْ عَجَزَتْ،ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَوْمَيْنِ مِنَ الثِّيَابِ وَالطَّعَامِ،فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَهَلَّلَ حَتَّى كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ،ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ،كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ،وَمَنْ سَنَّ سَنَّةً سَيِّئَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ،كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا،وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. [1]

وَكَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ السّبّابَةِ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اللّهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ.فعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ: أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى الدُّعَاءِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَال: انْظُرُوا إِلَى هَذَا قَالَ وَشَتَمَهُ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ.

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ،وَلاَ عَلَى غَيْرِهِ،وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الْوُسْطَى بِالإِبْهَامِ. [2]

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (2398 ) صحيح ابن حبان - (8 / 101) (3308)

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ دَالٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الأَوْزَارِ لاَ الْكَلَّ ،إِذْ أَخْبَرَ الْمُبَيِّنُ عَنْ مُرَادِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، فَكَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ قَالَ: لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى إِلاَّ مَا أَخْبَرَكُمْ رَسُولِي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا تَزِرُ ، وَالْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، وَلاَ خَصَّ عُمُومَ الْخِطَابِ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلاَّ مِنَ اللهِ ، شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم] - صلى الله عليه وسلم - ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلاَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال] فَهَذَا خَطَّابٌ عَلَى الْعُمُومِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] ، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَأَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ السَّلَبَ لاَ يُخَمَّسُ وَأَنَّ الْقَلِيلَ يَكُونُ مُنْفَرِدًا بِهِ ، فَهَذَا تَخْصِيصُ بَيَانٍ لِذَلِكَ الْعُمُومِ الْمُطَلِّقِ.

(2) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (3 / 210) (5985-5986) صحيح

قال البيهقي:"وَالْقَصْدُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ إِثْبَاتُ الدُّعَاءِ فِى الْخُطْبَةِ ثُمَّ فِيهِ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِى حَالِ الدُّعَاءِ فِى الْخُطْبَةِ وَيَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يُشِيرَ بِإِصْبَعِهِ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ مَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا وَذَلِكَ حِينَ اسْتَسْقَى فِى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَرُوِّينَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِى الاِسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَرُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَا فَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ وَأَمَّنَ النَّاسُ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت