مناسبة هذة الآية لما قبلها،هي أن السورة قد بدأت بذكر هذه النعمة العظيمة التي أنعم اللّه بها على المؤمنين،إذ بعث فيهم رسولا منهم،يتلو عليهم آيات اللّه،ويزكيهم،ويعلمهم الكتاب والحكمة..وهذه النعمة العظيمة لا تثمر الثمر الطيب الذي تحمله إلا إذا صادفت من يرعاها،ويعرف قدرها،وإلّا انقلبت هذه النعمة نقمة على أهلها،فحوسبوا على تضييعها،ووقعوا تحت طائلة العقاب الأليم،كما وقع ذلك لليهود الذي حمّلوا التوراة،ثم لم يحملوها،فكان مثلهم مثل الحمار يحمل أسفارا،وقد أوعدهم اللّه سبحانه بما توّعد به الظالمين ـ فناسب أن يجىء بعد هذا،أن ينبّه المسلمون إلى ما ينبغى أن يكون منهم لرعاية هذه النعمة التي أنعم اللّه بها عليهم،وكان أول ما نبهوا إليه،هو الصّلاة،إذ كانت الصلاة عماد الدين،وكانت الركن الأول من أركانه،بعد الإيمان باللّه..وإذ كانت صلاة الجمعة أظهر صلاة في أيام الأسبوع،لأنها الصلاة الجامعة،التي لا تصحّ إلا في جماعة ـ فقد كان الإلفات إليها إلفاتا إلى الصلوات المفروضة كلّها.
وقوله تعالى: « إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ » أي إذا جاء وقتها،وأذّن المؤذن بها.وقوله تعالى: « فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » أي بادروا وأسرعوا إلى ذكر اللّه،أي الصلاة،لأنها تذكّر باللّه،وتصل العبد بربه..ومن ذكر اللّه في صلاة الجمعة، « الخطبة » وما فيها من عظات تذكر باللّه.
وقوله تعالى: « وَذَرُوا الْبَيْعَ » أي اتركوا البيع،والشراء،وكلّ ما يشغلكم من عمل..حتى تفرغوا للصلاة،جسدا،وروحا.
وقوله تعالى: « ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » الإشارة إلى السعى للصلاة،وترك كل ما بين يدى الإنسان من عمل..فذلك السعى خير من كلّ ما كان يحصّله الإنسان من عمله الذي بين يديه،وذلك مما لا يعلمه،ويعلم قدره إلا أهل العلم،من المؤمنين،المستيقنين من واسع الفضل،وعظيم الإحسان،عند اللّه..
قوله تعالى: « فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » .هو دعوة إلى العمل،وإلى السعى إليه،كما سعى المؤمنون إلى الصلاة..فالسعى إلى العمل،أداء لحقّ النفس،وحقّ الأهل والولد،كما أن السعى إلى الصلاة