أداء لحق اللّه سبحانه وتعالى،وكلا الحقّين واجب الأداء،فمن قصّر في أحدهما،حوسب عليه حساب المقصّرين.
وفى قوله تعالى: « فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ » دعوة إلى أن يملأ المسلمون وجوه الأرض،سعيا وعملا،وأن يأخذوا بكلّ ما يمكّن لهم منها،ويقيم لهم فيها المقام الكريم،وألا يقصروا جهدهم على جانب منها،أو في ميدان من ميادينها،بل ينبغى أن يكون لهم في كل ميدان مجال،وفى كل موقع عمل..
وفى الدعوة إلى الانتشار في الأرض بعد الاجتماع بين يدى اللّه في الصلاة ـ في هذا جمع بين العبادة والعمل،وبين ذكر اللّه والسعى في الأرض..فقد جاءت الدعوة من اللّه سبحانه لصلاة الجمعة،موجهة إلى من هم مشغولون بالعمل،ساعون لطلب الرزق،وإن كانت الدعوة عامة إلى كل من تجب عليه صلاة الجمعة..ثم جاء الأمر إلى هؤلاء الذين حضروا الصلاة ـ أن ينتشروا في الأرض،ويبتغوا من فضل اللّه،بعد أن تزودوا بهذا الزاد الطيب من ذكر اللّه،وبذلك يستقيم لهم الطريق،وتفتح لهم أبواب الرزق الطيب المبارك.
وفى قوله تعالى: « وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » ـ إشارة إلى هؤلاء المنطلقين للعمل،الساعين إلى الابتغاء من فضل اللّه،أن يذكروا اللّه دائما،وأن يستحضروا جلاله وعظمته،فى كل حال،لا في وقت الصلاة..ففى ذلك فلاح أي فلاح،حيث يجد الذاكر للّه سبحانه وتعالى،حارسا يحرسه من وساوس الشيطان،وأهواء النفس،فلا يتعثر،ولا ينحرف،ولا يزلّ.
قوله تعالى: « وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » .اللهو: ما يشغل الإنسان من هزل الأمور عن جدّها..والانفضاض: التفرّق في عجلة،وفى غير نظام. [1]
وصلاة الجمعة هي الصلاة الجامعة،التي لا تصح إلا جماعة..وهي صلاة أسبوعية يتحتم أن يتجمع فيها المسلمون ويلتقوا ويستمعوا إلى خطبة تذكرهم باللّه.وهي عبادة تنظيمية على
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (14 / 951)