وهذا يعنى أن الصلاة هى شعار المسلم ، وأن من لا يؤديها لا نظهر عليه سمة الإسلام ، ومن هنا كانت الصلاة الركن الأول الذي يقوم عليه الإسلام بعد الإيمان باللّه .. وفى الحديث: « بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة » ..
وفى الحديث أيضا: « العهد بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر » ..يريد تركها عامدا منكرا.
وقوله تعالى: « ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ » أي هذه الصفة هى صفة المسلمين التي وصفهم اللّه بها في التوراة ..
والإشارة: إما أن تكون إلى جميع هذه الأوصاف ، وإما أن تكون إشارة إلى قوله تعالى: « سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ » ..
وقوله تعالى: « وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا » ..
الشطء: أول ما يبدو من النبات على ظاهر الأرض ، وشاطىء الشيء ، حافته .. أي ومثل المؤمنين الذين مثّلهم اللّه سبحانه وتعالى به ، في الإنجيل ، هو الزرع ، يبدأ بذرة هامدة في الثرى ، فإذا أصابها الماء ، اهتز كيانها ، ودبّ دبيب الحياة فيها ، وأخذت بهذا الرصيد القليل من الحياة التي سرت فيها ـ أخذت تحاول جاهدة أن تصافح النور ، وأن تلتمس لها طريقا إليه ، من بين هذا الظلام المطبق عليها ، ثم سرعان ما يطلع لها لسان تتحسس به الطريق إلى النور ، وتتذوق به نسمة الحياة ، وإذ شىء أخضر صغير ، لا يكاد يرى ، يطل على الحياة في استحياء ثم لا يلبث أن يؤازره آخر مثله ، ثم ثالث ورابع ..وهذا هو الشط ، وجمعه شطآن ..
وشيئا فشيئا تنمو هذه الشطآن ، وتعلو ، وبتخلّق لها ساق تقوم عليه ، وأوراق تكسو هذا الساق ، وفروع وأغصان ، وأزهار وثمار ، حتى يكون من ذلك نخلة باسقة ، أو دوحة عظيمة!.
وهكذا المسلمون ، بدءوا بذورا كهذه البذور التي طال حبسها عن الأرض ، حتى إذا امتدت إليها يد الزارع فغرسها في الأرض ، وساق إليها الماء ، وتعهدها بالرعاية والري ، طالت ، وانداحت ، وأزهرت ، وأثمرت ، وملأت وجه الأرض المغبرّة ، حسنا ، وجمالا ، وخيرا ..وشبه المسلمون بالزرع لأنهم كثير ، ولأن كل واحد منهم له ذاتيته إلى جانب هذه الشجيرات الكبيرة التي يضمها الحقل ..
وقوله تعالى: « لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ » ـ هو إشارة إلى هذا الزرع الطيب ، الذي يملأ العين سرورا ورضا ، وهو في الوقت نفسه يملأ قلوب الكافرين حسرة وحسدا ..
وقوله تعالى: « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا » إشارة إلى أن وصف المؤمنين لا يتم إلا بالعمل الصالح وأن الذين لهم المغفرة والأجر العظيم من اللّه ، هم الذين آمنوا