فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 608

وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ، إذْ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إبَاحَةُ الْقُعُودِ عَنْهُمْ حَتَّى يَسْتَبِيحُوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ" [1] ."

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وَإِذَا دَخَلَ الْعَدُوُّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إذْ بِلَادُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَأَنَّهُ يَجِبُ النَّفِيرُ إلَيْهِ بِلَا إذْنِ وَالِدٍ وَلَا غَرِيمٍ" [2] .

مَتَى يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ ؟[3]

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ:

أ - إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ ، وَتَقَابَل الصَّفَّانِ ، حَرُمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الاِنْصِرَافُ ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) [الأنفال/45-46] } .

ب - إِذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى قَوْمٍ بَغْتَةً ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الدَّفْعُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا ، أَوْ هَجَمَ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إِنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَمَحَل التَّعَيُّنِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إِنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمُ الْعَدُوُّ ، وَإِلاَّ تَرَكُوا إِعَانَتَهُمْ .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنَ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا ، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا ، وَمَنْ يَلِيهِمْ . وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْجَأْهُمُ الْعَدُوُّ فَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُقِل مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ . وَمَعْنَاهُ: أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقِتَال حِينَ الْحَاجَةِ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ التَّخَلُّفُ إِلاَّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالأَْهْل وَالْمَال ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الأَْمِيرُ مِنَ الْخُرُوجِ ، أَوْ مَنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوِ الْقِتَال [4]

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الأَْحْزَابِ فَقَال: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (سورة الأحزاب / 13 ) } [5] .

(1) - أحكام القرآن للجصاص - (ج 7 / ص 37) الشاملة 3 ،أحكام القرآن 4/312 المطبوع

(2) - الفتاوى الكبرى - (ج 8 / ص 400)

(3) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (16 / 130)

(4) - ابن عابدين 3 / 221 ، وفتح القدير 5 / 190 ، والدسوقي 2 / 174 ، وجواهر الإكليل 1 / 253 ، وروضة الطالبين 1 / 215 ، ومغني المحتاج 4 / 219 ، والمغني 8 / 346 ، 347 ، وكشاف القناع 3 / 37 .

(5) - وانظر: فتح القدير 5 / 191 ، والمغني 8 / 364 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت