قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) سورة العنكبوت
أَمَّا الذِينَ قَاتَلُوا في سَبيلِ اللهِ ، وَجَاهَدُوا الكُفَّارَ ، وَبَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ نُصْرَةِ دِين الله ، فإِنَّ الله يَعِدُهُم بأَنْ يَزِيدَهُمْ هِدَايةً إِلى سَبِيلِ الخَيْر ، وَتَوفِيقًا لسُلُوكِها . واللهُ تَعَالى مَعَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ مِنْ عِبَادِه ، يُعِينُه وَيَنْصُرُهُ .
قال الخطيب:"بهذه الآية الكريمة تختم السورة ... فيلتقى ختامها مع بدئها ، ولقد بدئت السورة بإيذان المؤمنين بالابتلاء ، وملاقاة الفتن على طريق الإيمان ، وأن استمساك المؤمن بإيمانه يقتضيه جهادا وتضحية ، بالنفس والمال ، والأهل والولد ، والوطن ، وكما يقول سبحانه: « أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ » كما يقول سبحانه في آية أخرى: « لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا » (186: آل عمران) ."
وهذا الختام الذي ختمت به السورة ، هو وعد كريم من اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين الذين يجاهدون في سبيل اللّه ، ويحتملون ما يلقاهم على طريق الجهاد من ضرّ وأذى ـ أن يهديهم اللّه ، ويثبّت أقدامهم على سبيله ... لأنهم سعوا إلى اللّه ، فتلقاهم اللّه بإمداد عونه ، وتأييده ، ونصره ، فكان لهم الغلب ، وكانت لهم العزّة في الدنيا ، وجنات النعيم في الآخرة.
وفى قوله تعالى: « جاهَدُوا فِينا » ... إشارة إلى هذا الجهاد الذي يجاهده المؤمن ، وأنه جهاد للّه ، وفى سبيل اللّه ، وإعزاز دينه ، ونصر كلمته .. واللّه سبحانه وتعالى يقول: « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ » (40: الحج) ..
ومعنى الجهاد في اللّه ، الجهاد في كل ما هو للّه ـ مما جعله حمى له ، جل شأنه.
وفى توكيد الفعل « لنهدينّهم » توكيد لوعد اللّه ، وأنه وعد أوجبه اللّه سبحانه على نفسه ، كما يقول سبحانه: َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ » (47: الروم) وفى قوله سبحانه: « وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » تطمين لقلوب المؤمنين ، وإشعار لهم بأن اللّه معهم ، بعزته وقوته ، وسلطانه .. ومن كان اللّه معه ، فهو في أمان من أن يذلّ أو يهون: « أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (22: المجادلة) وفى وصف المجاهدين في سبيل اللّه بأنهم محسنون ، إشارة إلى أن الجهاد في جميع صوره ، هو إحسان ، وأن المجاهد محسن ، لأنه يأخذ طريق الإحسان ، ويسلك مسالكه ، على حين أن غير المجاهد مسىء ، لأنه يركب مراكب الضلال ، ويهيم في أودية الباطل ... فحيثما كان الإنسان مع اللّه سبحانه وتعالى ، فهو في جهاد .. فإذا قهر المرء أهواء نفسه ، ووساوس شيطانه ، فهو مع اللّه ، وفى جهاد في اللّه ... وإذا انتصر الإنسان لمظلوم ، فهو مع اللّه وعلى جهاد في سبيل اللّه ... وإذا قال المرء كلمة الحقّ ،