عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بن عُمَرَ بن قَتَادَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ أُحُدٍ نَفَرٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فِينَا إِسْلامًا فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِئُونَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُوننَا شَرَائِعَ الإِسْلامِ،فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَفَرًا سِتَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ: مَرْثَدَ بن أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ حَلِيفَ حَمْزَةَ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، قَالَ: وَأَمَّا مَرْثَدُ بن أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بن الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بن ثَابِتٍ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا، وَلا عَقْدًا أَبَدًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُمْ. [1]
قال الحافظ ابن حجر في الفتح:"وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل , أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر , وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة , فإن أراد الأخذ بالرخصة له أن يستأمن , قال الحسن البصري: لا بأس بذلك . وقال سفيان الثوري: أكره ذلك , وفيه الوفاء للمشركين بالعهد , والتورع عن قتل أولادهم , والتلطف بمن أريد قتله , وإثبات كرامة الأولياء , والدعاء على المشركين بالتعميم , والصلاة عند القتل , وفيه إنشاء الشعر وإنشاده عند القتل ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه , وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه , ولو شاء ربك ما فعلوه . وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيا وميتا وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل . وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة , ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه . وفيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم [2] ."
وفي نيل الأوطار:"وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَلَا أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ أَنْ يَسْتَأْسِرَ , وَهَكَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ:"بَابُ هَلْ يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَأْسِرْ"أَيْ هَلْ يُسْلِمُ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ أَمْ لَا ؟ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الدُّخُولِ تَحْتَ أَسْرِ الْكُفَّارِ , وَلَا أَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْ السَّبْعَةِ الْمَقْتُولِينَ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَسْرِ , وَلَوْ كَانَ مَا وَقَعَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ غَيْرَ جَائِزٍ لَأَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَهُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ وَأَنْكَرَهُ , فَدَلَّ تَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَا طَاقَةَ لَهُ بِعَدُوِّهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْأَسْرِ وَأَنْ يَسْتَأْسِرَ" [3] .
(1) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 15 / ص 259) (17163 ) حسن مرسل
(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 7 / ص 384)
(3) - نيل الأوطار - (ج 12 / ص 93) - هذا وقد فصلت القول في هذا الأمر الجلل في رسالتي المسماة (( تحريم الاستسلام للكفار والفجار ) )فارجع إليها إن شئت .