فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 608

7-الجهاد في سبيل الله سبيل الفلاح في الدارين :

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (35) سورة المائدة

يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ حَقًّا وَصِدْقًا ، وَاتِّقَاءِ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ ، وَذَلِكَ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ شَرْعِهِ ، وَالانْكِفَافِ عَنْ إتْيانِ مَحَارِمِهِ ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ ، وَبِأنْ يَتَقَرَّبُوا إليهِ بَطَاعَتِهِ ، وَبِالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ ( وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ ) . ثُمَّ أمَرَهُمْ بِجِهَادِ أعْدائِهِمْ ، وَأعْدَاءِ اللهِ ، الخَارِجِينَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ . وَرَغَّبَهُمْ تَعَالَى فِي الجِهَادِ ، بِأنْ أبَانَ لَهُمْ مَا أعَدَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ القَيَامَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ ، وَكَرِيمِ المَنْزِلَةِ ، فَلَعَلَّهُمْ ، إنْ قَامُوا بِأمْرِ رَبِّهِمْ ، أنْ يُفْلِحُوا بِالفَوْزِ بِرِضَى اللهِ وَجَنَّتِهِ .

( وَيَشْمُلُ الجِهَادُ كُلَّ جَهْدٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الحَقِّ ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التِزَامِهِ ، كَمَا يَشْمُلُ جِهَادَ النَّفْسِ بِكَفِّهَا عَنْ أهْوائِها ، وَحَمْلِها عَلَى العَدْلِ وَالإِنْصَافِ فِي جَمِيعِ الأحْوالِ ) .

والمنهج الرباني لا يأخذ الناس بالقانون وحده. إنما يرفع سيف القانون ويصلته ليرتدع من لا يردعه إلّا السيف. فأما اعتماده الأول فعلى تربية القلب ، وتقويم الطبع. وهداية الروح - ذلك إلى جانب إقامة المجتمع الذي تنمو فيه بذرة الخير وتزكو ، وتذبل فيه نبتة الشر وتذوي - لذلك ما يكاد ينتهي السياق القرآني من الترويع بالعقوبة حتى يأخذ طريقة إلى القلوب والضمائر والأرواح يستجيش فيها مشاعر التقوى ويحثها على ابتغاء الوسيلة إلى اللّه والجهاد في سبيله رجاء الفلاح ويحذرها عاقبة الكفر به ويصور لها مصائر الكفار في الآخرة تصويرا موحيا بالخشية والاعتبار:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ، وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ، وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» ..

إن هذا المنهج المتكامل يأخذ النفس البشرية من أقطارها جميعا ويخاطب الكينونة البشرية من مداخلها جميعا ويلمس أوتارها الحية كلها وهو يدفعها إلى الطاعة ويصدها عن المعصية .. إن الهدف الأول للمنهج هو تقويم النفس البشرية وكفها عن الانحراف. والعقوبة وسيلة من الوسائل الكثيرة. وليست العقوبة غاية ، كما أنها ليست الوسيلة الوحيدة.

وهنا نرى أنه يبدأ هذا الشوط بنبإ ابني آدم - بكل ما فيه من موحيات - ثم يثني بالعقوبة التي تخلع القلوب.

ثم يعقب بالدعوة إلى تقوى اللّه وخشيته والخوف من عقابه. ومع الدعوة التصوير الرعيب للعقاب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت