قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة/33]
اللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - بِكِتَابٍ هُوَ القُرْآنُ ، كَفِلَ حِفْظَهُ حَتَّى آخِرِ الزَّمَانِ ، فِيهِ الهُدَى وَدِينُ الحَقِّ ، وَسَيُظْهِرُهُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ ، لأَنَّهُ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الذِي جَاءَ بِالدَّعْوَةِ الصَّحِيحَةِ ( التِي جَاءَتْ بِهَا جَمِيعُ الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ ) وَهِيَ دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ وَالإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، فَبَدَّلَ النَّاسُ ، وَحَرَّفُوا فِيها ، فَجَاءَ الإِسْلاَمُ لِتَصْحِيحِ ذَلِكَ ، وَلِيُعِيدَ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ صَفَاءَهَا وَأَصَالَتَهَا وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ .
قال الخطيب:"وإن هذا الدين سيظهر على كل دين ، وينسخ كل معتقد! إنه نور اللّه ، وإنه لدين اللّه .. « وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » ."
ويلاحظ أن قوله تعالى: « وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » قد جاء في سورة التوبة .. والكافرون هم من لم يكونوا على دين أصلا ، أو كانوا على دين ولكنهم لا يؤمنون باللّه إيمانا صحيحا ، وهو ما عليه أهل الكتاب ، الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله: « وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » .
.والمشركون هم الذين يدينون بدين يجمع بين الإيمان باللّه ، والإيمان بشركاء مع اللّه ..
والكافرون والمشركون هم في مجموعهم لا يؤمنون باللّه ، ولا يدينون دين الحق ، وهو الدين الذي جاء به الإسلام على تمامه وكماله ..
فإذا تحقق وعد اللّه بإتمام دينه ـ وهو متحقق حتما ـ وذلك على كره من غير المؤمنين جميعا ، كان معنى هذا أن الإسلام سيصبح يوما ما دين الإنسانية كلها .. ولو كره الكافرون والمشركون.
وهنا شبهتان قد تندفعان في صدور أولئك الذين يأخذون الأمور بما يلوح على ظاهرها ، دون أن ينفذ نظرهم إلى ما وراء هذا الظاهر من حق وصدق ..
والشبهة الأولى: هى ما يبدو على ظاهر الحياة اليوم من انكماش ظلّ الدين عموما في النفوس ، واستيلاء الإلحاد على مواقع الإيمان عند كثير من الشعوب والأفراد ..
وهذا يعنى بظاهر واقعه ، أن عصر الإيمان قد ولّى ، وأن الناس في طريقهم إلى إيمان آخر غير هذا الإيمان المستند إلى ما وراء المادة .. إيمان بالطبيعة وبالحياة في صورها المادية المختلفة وما تولده منها العلوم والفنون .. وهذا يعنى أيضا أنه لا الإسلام ولا غير الإسلام من الأديان الأخرى ، سيبقى على ما هو عليه الآن ، فضلا عن أن يمتد ظله ، ويقوى سلطانه! ونقول: إن هذه الظاهرة ، هى مقدمة طبيعية لإقامة